تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
كانت شعوبيته وجها آخر لشكه بالحياة وحدودها ، يثور عن طريقها على التقاليد الموروثة والمقاييس الاجتماعية التي رسمها الناس في عصره . فهذه النظرة قد ولدت لديه نوعا من الهزء الدائم بهذه التقاليد وتلك المقاييس ، تبلور في هجائه الذي ليس هجاء مباشرا لها ، بل يسخر منها ويشوّهها تشويها منكرا ، يمكن أن نعتبره في بعض الأحايين لونا من الهجاء الاجتماعي الكاريكاتوري . وإذا دققنا النظر في شعر أبي نواس يتحقق لنا أنّ شعره ولا سيما الاجتماعي منه ، يخالف في حقيقته الصورة التي رأيناها عنده في ما هجا من الملامح الخَلقية والخلقية ، يدلّ على خفة الشاعر ونظرته العبثية إلى الأفراد وحياتهم ؛ حيث إنّ تلك الخفة ليست سوى مظهر خارجي نجد ورائه ثورته الحادة على مظاهر الغبن الاجتماعي ، وعلى أهل المجتمع من الذين يتصرفون وفقا للتقليد والعادة من خلال ما رسمه الشاعر من الصور الكاريكاتورية الساخرة . وأحياناً تمثلت هذه الثورة في نزعة شعوبية يرددها في قصائده ، حتى أصبحت بعضها قصيدة نموذجية في الدلالة على النزعة الشعوبية الأدبية . ومنها تلك القصيدة التي أزرى فيها بالحياة والحبيبة العربيتين ، ثم يلمّ بالزراية على الشعر العربي وقد توسّل بالصورة الكاريكاتورية إذ قال :
قُلْ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمٍ دَرَسْ * وَاقِفاً مَا ضَرَّ لَوْ كَانَ جَلَسْ اتْرُكْ الرَّبْعَ وَسَلْمَى جَانِباً * وَاصْطَبِحْ كَرْخِيَّةً مِثْلَ القَبَسْ
( 118 ) وفي موضع آخر أمعن في ثلب العرب عندما رسم لوحة ساخرة للصور التقليدية في الشعر العربي وبقدرها أمعن في تكريم الخمرة ، حيث يقول :
لا جَفَّ دَمْعُ الَّذِي يَبْكِي عَلَى حَجَرٍ * وَلا صَفَا قَلْبَ مَنْ يَصْبُو عَلَى وَتَدِ كَمْ بَيْنَ نَاعِتِ خَمْرٍ فِي دَسَاكِرِهَا * وبَينَ باكٍ عَلَى نُؤْي وَمُنْتَضَدِ « 1 » دَعْ ذَا ، عَدِمْتُكَ وَاشْرَبْهَا مُعَتَّقَةً * صَفْرَاءَ تَفْرُقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ
( 55 )
هامش
( 1 ) - الدساكر ج الدسكرة : بيوت يكون فيها الشراب والملاهي . النؤي : الحفير حول الخيمة يمنع عنها السيل . منتضد : اسم مكان من انتضد بالمكان أي أقام .