تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
تُفُاخِرُ يَابْنَ رَاعِيَةٍ وَرَاعٍ * بَنِي الأحْرَارِ ، حَسْبُكَ مِنْ خَسَارِ وَكُنْتَ إذَا ظَمِئْتَ إلى قَرَاحٍ * شَرِكْتَ الكَلْبَ فِي وَلْغِ الإطَارِ وتَقضَمُ هامَةَ الجُعْلِ المُصَلَّى * وَلَمْ تعقل بِدُرّاجِ الدِّيَارِ « 1 » وَفَخرُكَ بَيْنَ خِنْزِيرٍ وَكَلْبٍ * عَلَى مِثْلِي مِنَ الْحَدَثِ الْكِبَارِ »
( الأصفهاني 160 : 3 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 10 ) فهذه الأبيات هجاء شعوبي ، نرى فيها تفاخر بشار ببني قومه من خلال رسم الصور الساخرة لمثالب العرب ومخازيهم ، وإن كانت ميزتها الأولى كغيرها من الأبيات الهجائية لدى بشار ، هي النقمة والحدّة ، إلا أنّها لوحة كاريكاتورية توجز لنا التنازع الاجتماعي وتظهر لنا مظهر من مظاهر ثورة الشاعر على مجتمعه وعلى جلف من الأعراب الذين يحتقرون الموالي . فهو يرسم العربي وهو عار في الفلوات بينما الأكاسرة ينعمون بالخز ، فهو ابن راعية وراع حقيرين ، بينما الفرس بني حضارة وسؤدد ، ثم يرسمه وهو يشرب الماء الصراح لفقره ، بل يلغ بماء الوحول مشاركا البهائم . فهو يحيا بين خنزير وكلب . ونرى أنّ هذا النوع من الهجاء قد تخصص به أبو نواس من بعد بشار ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 2 ، 5 ، 17 ) ، إلا أنّه بالرغم من إفحاشه على العرب وإمعانه في هجوهم ، لم يكد يبلغ إلى قدرة بشار في رسم الصور التي يشخص فيها حقد واحتقاره ومعرفته بمواضع النقص في الأصل العربي . ولعلّ ذلك يرجع إلى أنّ أبانواس لم يحاول أن يستغل وعيه التاريخي بمظاهر حياة القبائل العربية في رسم لوحاته الشعرية كبشار ، ولاسيّما تلك المظاهر التي تحتقر شأنهم وتعرض مثالبهم ، انطلاقا من واقع الفقر الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الذي عاشت في ظلاله تلك القبائل . إضافة إلى هذا أنّ أبا نواس لم يحظ برفعة النسب التي كان العرب يقدّسونها . فنشأته يتيما إلى كنف والدته المستهترة ، أعدَّته منذ الصغر إلى حياة اللهو والمجون التي تسوقه إلى الشك الوجودي في الحياة وبما ورائها ، و « هذا الشك الوجودي انطلق به الشاعر مستبيحا القيم ، هازئا بالمعتقدات ، هاجيا أولئك الذين يضعون حدود الأشياء ، والذين يعتقدون أنّ الحياة انجلت لهم من دون سواهم » ( حاوي 464 ) . ولقد
هامش
( 1 ) - الجُعل : الخنفساء السوداء .