الحركة الشعوبية في شعر الشعراء الذين كانوا ينظر إليهم باحتقار ، بعد أن كانوا كريمي الأصل بل أسيادا من أسياد قومهم ، وبعد أن رأوا أنفسهم كفوءا معادلا لهم ، بل في أكثر الجوانب أسمى منهم . وقد كان من الطبيعي أن يولد لديهم ميل إلى هجاء أولئك الذين يعبثون بهم ، حتى يضطروا أن يدافعوا عن أنفسهم بهجائهم الذي كان يعتبر وسيلة لإظهار غضبهم والدفاع عن أنفسهم إزاء القوم الذين لا ينفكون يحتقرونهم ، إذ إنهم كانوا يشعرون كما يشعر سائر الناس بعزة وكرامة وصون للنفس . ولمّا كان في طبيعة أكثر هؤلاء الشعراء حس مبرم حاد تولّد لديهم من فطنتهم المبكرة المتفوقة المصحوبة دائما بشعور الأنفة والكرامة ، فمن الطبيعي أن يثوروا على الذين يحتقرونهم ويتفجّروا حنقا وغيظا على الذين يخفضون من قدرهم .
ولعل الناظر في أهاجي هؤلاء الشعراء يتحقق له أنّ مشكلة الولاء من أحد البواعث في إفاضة شعورهم بالنقص الاجتماعي ، فلقد كانت أهاجيهم ، سخرية بالقيم التي يرسمها بعض العرب في المجتمع الاسلامي آنذاك ، كما كانت ثورة اجتماعية على الموالاة ودعوة إلى الخروج عن طاعة أسيادهم ، وكانت هزءاً بأولئك الذين يتصرفون وفقا للتقليد والعادة .
وثمة روايات كثيرة تدلنا على ما كان يجري من تنازع بين هؤلاء الشعراء والذين ينظرون إليهم نظرة احتقار واستهانة ، نكتفي بإحداها جرت من خلالها قصيدة لبشار ، لنستوفى بها ضرورة الدراسة . قيل : « دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي وبشار عنده وعليه بزّة الشعراء ، فقال الأعرابي : من الرجلُ ؟ فقالوا : رجلٌ شاعرٌ ، فقال : أمولى هو أم عربي ؟ فقالوا : بل مولى ، فقال الأعرابي : وما للموالي والشعر ، فغضب بشّار وسكت هنيهة ، ثم قال : أتأذن لي يا أبا ثور ؟ قال : قل ما شئت يا أبا معاذ ، فأنشأ بشار يقول :
خَلِيلِي لا أنَامُ عَلَى اقْتِسَارِ * وَلا آبَى عَلَى مَوْلىً وَجَارِ « 1 »
أحِينَ لَبَسْتَ بَعْدَ العُرْيِ خَزاً * وَنَادَمْتِ الْكِرَامَ عَلَى العُقَارِ « 2 »
هامش
( 1 ) - الاقتسار : القيام بعمل ما قسراً لا طوعا .
( 2 ) - العقار : معاقرة الخمرة وشربها .