تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فهؤلاء الشعراء لم يقصروا أهاجيهم الكاريكاتورية على تلك الحدود الأخلاقية المتمثّلة في ذكر الفضائل والرذائل ، كما نجده عند الشعراء الجاهليين مثلا ، بل غاصوا في القيم الاجتماعية التي تتمثّل في معاني السعادة والتعاسه ، والنجاح والفشل والعدل والظلم ، وتظهر في تقاطع العناصر التشكيلية في الهجاء الكاريكاتوري . مهما يكن من الأمر فإنّ الهجاء الكاريكاتوري بمضمونه الاجتماعي لا يقلّ شأنه عن المضامين الأخرى في شعر الشعراء العباسيين ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 16 ، 17 ، 18 ) ، حيث إنّ البواعث التي تسوق الشاعر إلى الهجاء في هذا المضمون ، كهجائه للمغنين والمغنيات الذين لا يجيدون الغناء ، أو هجائه للمرأة والزوجات ، أو الكتاب والشعراء ، أو من تبوّأ منصبا وهو فاقد الأهلية ، فلا يقتصر على البواعث الذاتية فحسب ، بل هناك عقدة من البواعث دون شك ، أهمها أنّ الشاعر صاحب موقف يقفه من الأشياء ، وأنّه يعرف مفهوم الإنسان وغايته من نفسه ومن الحياة ، ويؤمن بالحدود والقيم ، كما يعي وظيفة المجتمع ومعنى الحضارة وما إليها . فيعزُّ عليه أن يقيم في عصر افتقدت فيه كرامة الإنسان ومعنى الكفاءة والأخلاق ، واغتصبت القيم وحلّت محلها الرذائل ، ولا تطيب له الحياة الفاقدة الكرامة الضائعة الناموس ؛ فلهذا يرسم لوحاته الكاريكاتورية التي تهدف في أغلبها اصلاح المجتمع وتصحيح التناقضات بالسخرية . فهذا اللون من الهجاء يستطيع بصوره الساخرة أن يغوص في الأعماق ليبرز المسكوت عنه ، ذاك المسكوت الذي لا يمكن أن يقال ويعبر عنه إلا بأداة ، لها ما يميزها عن باقي الأدوات الفنية الشعرية . وبهذه الأداة قد ساند الشعراء الكاريكاتوريون ، المجتمع في جميع فئاته وقضاياه من خلال رؤيتهم التنويرية ، ولقد كانت أهاجيهم الكاريكاتورية انعكاسا لسلوكات الأفراد في المجتمع ، وتصويرا مشوها لهذه السلوكات ، وكانوا ينظرون إلى الأمام فضلا عما بداخلهم من أمل يجسدونه في لوحاتهم الفنية التي يرسمونها بالألفاظ والمعاني . فلذلك يشبه عملهم الكاريكاتوري في المضمون الاجتماعي بالرسوم الكاريكاتورية الاجتماعية التي قام برسمها الرسامون الكاريكاتوريون قديما وحديثا ، وعنوا بها عناية بالغة . فمثلا : الفنان