بعض هذه الأهاجي من المدلولات الجانبية للقضايا الاجتماعية . فمثلا إذا نظرنا في الأهاجي الكاريكاتورية للبخل عند أبي نواس ، لاحظنا أنّه يعنى بذكر الخبز والرغيف في أشعاره ، أكثر من الشعراء الآخرين ، حتى يقول حسين خريس : « عددتُ له نحوا من بضع عشرة مرة ، ذكر فيها الخبز هاجيا إسماعيل بن سهل بن نوبخت والرقاشيين والمعبدين والخصيب ، ومن اسمه سعيد » ( حسين خريس 191 : 2 ) ، إلا أنّ عنايته هذه بالخبز لم تكن ليذكر حاجته إليه أو ليشكو من فقره ، كما هي الحال عند شعراء الفقر ، كأبي الشمقمق وأبي فرعون الساسي وأبي الينبغي وابن الطبيب ، لكنّه يركز عليه لإكمال لوحاته الكاريكاتورية التي تكشف أحيانا الظروف المؤدية إلى ظهورالبخل في المجتمع العباسي آنذاك ، وتشير إلى عواقبه في ذاك المجتمع ، لأنّ هذا البخل وإن كان نتاجا طبيعيا للحياة الاجتماعية ، سوى أنّه يسمم المجتمع كما تفعل بعض السموم التي يفرزها جسمنا باستمرار ، فتسممه على المدى الطويل . وفي رأي أبي نواس وغيره من الشعراء الكاريكاتوريين لا علاج لهذا البخل إلا ذاك العلاج الذاتي الذي يبرز في الهجاء الكاريكاتوري ، ليغوص الشاعر من خلاله إلى أعماق المجتمع ، ويكشف ببراعة تناقضاته مع ذاته .
ولعلنا نستطيع أن نعبر عن ذكر مظاهر البخل في الهجاء الكاريكاتوري بالرمز ، حيث إنّ مثل هذه الصور التي قد رسمت للبخل تتطلب التأويل ، أي إدخالها في شبكة من المعاني التي تضعها في إطار خاص ، يفترض استعمالها تواجد نظام اجتماعي ثقافي . فهذه الرموز ، لها القدرة على توليد تفسيرات تصبح بدورها محل تفسيرات أخرى في سلسلة متواصلة غير متناهية . وعلى هذا النحو يكتسب الرمز في الهجو الكاريكاتوري معناه عن طريقة تفكير شعرائه وإحساسهم أو عملهم الكاريكاتوري ، فالمعاني تكمن في نفوسهم وليس في ظاهر أوصافهم للمهجوين . لهذا يمكن أن نقول إن البعد الرمزي في أهاجيهم هو مجموعة من المعاني التي تستطيع أن تولّدها جملة الدلائل الموظفة في تشكيل الرسالة الكاريكاتورية أثناء عملية التأويل . والرمز هنا يعني مجمل العناصر والمركبات من أشكال وصيغ وسيم وإشارات وعلامات تتكلّف بإرساء المعني الذي تأتي من أجله الرسالة الكاريكاتورية .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 187
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص١٨٧