تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
أما ابن الرومي فهو الذي بلغ من هذا الفن مبلغا عظيما جاوز فيه مراتب زملائه ، في دقة التصوير ولطف التعبير ، وبراعة التسديد إلى الهدف ، والنيل من خصومه ، فجلّ أهاجيه تنم عن روح رسام كاريكاتوري قد غمس ريشته في جميع المجالات والمضامين وتسلق بها إلى العبقرية في هذا اللون من الهجاء . فألواحه كما قيل : تضحك الثكالى وتبعث الدمع في العيون لشدة ما تثير من إغراق في التندر والإضحاك . فلذلك أطلنا الوقوف عنده في كل مضمون لنستعرض من ديوانه هذه الصور التي خلدها في متحف السخرية والهجاء . أما المتنبي وإن لم يدخل في باب الهجاء دخوله في المدح ، غير أنّه قد برع في أهاجيه براعة الرسام الكاريكاتوري في ريشته الهزلية ليضعف من شأن مهجويه وليعرض موضع العيب والعاهة . فجمع في لوحاته الحركات والألوان كأحدث ما يصنع التصوير الفني في عصرنا هذا . فاختيار هؤلاء الشعراء ودراسة الصور الكاريكاتورية في أهاجيهم ، لا يعني أن الهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي اقتصر على دواوينهم ، ولم يتفنن فيه بقية شعراء هذا العصر ، حيث نجد مثل هذه الصور الكاريكاتورية في هجاء كثير من شعراء الهجاء كحماد عجرد وأبي الشمقمق والحمدوني وغيرهم من الشعراء الذين نهجوا في شعرهم منهجا ساخراً ، غير أنّ بسط المعرفة عن الهجاء الكاريكاتوري - كظاهرة أدبية بإبراز خصائصها وميزاتها ودورها وعلاقاتها بالمجتمع والسياسة ، ثم كشف المعاني الكامنة فيها على مدى أكثر من أربعة قرون بدأ من بشار بن برد وانتهاء بالمتنبي - لم يعطنا المجال لدراسة هذا الفن في شعر كل الشعراء الذين عاشوا في هذه الحقبة ، فلذلك جعلنا الدراسة مقتصرة على الشعراء الذين تناولوه في كل المجالات الشخصية والاجتماعية والسياسية واتخذوا منه كوسيلة من وسائل النقد والتعبير ، وعمدوا إليه لكشف الكثير من المشاكل والتناقضات في المجتمع وإذابة الغشاء للمس العمق ، وإن برزوا أحيانا في أحد المجالات أكثر من الآخر . فلم يكن الاهتمام بالهجاء الكاريكاتوري في العصر العباسي من قبيل الصدفة ، وإنما الرغبة الشديدة في اكتشاف الصور في عالم الأدب ، والشغوف بدراسة نوع أدبي يحمل