تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
في تنشيط الحركة الثقافية ، مضافا إلى ذلك أنّ الخلفاء والحكام والأمراء لقدشجعوا المترجمين والأدباء والشعراء على العلم والأدب لما تتمتّع به الدولة من الثراء ، فنشطت الحركة الأدبية والشعرية نشاطا واسعا ، وتنامت دوحة الأدب الساخر شعرا ونثرا ، متأثرة بهذا النشاط الأدبي ، وتبعا لذلك وجد الهجاء فرصة ذهبية لكي يقدّم ما أمكن من تقديمه من طاقاته المخزونة عبر امتزاجه بالسخرية ويخلق لونا جديدا يحتاج إلى كثير من البراعة ، على أيدي من أجادوا في هذا الميدان من الشعراء ، كبشار بن برد وأبي نواس ودعبل بن علي الخزاعي وابن الرومي والمتنبي . فكانوا يعرفون كيف يعبثون بمهجويهم عبثا لاذعا يشبه عبث المصورين الكاريكاتوريين الذين يضخمون العيوب والعاهات ويظهرونها في أوسع مظهر لها ، كي يثيروا الهزء والسخرية . فنراهم إذا ما تناولوا عيبا من عيوب مهجويهم ، يمسخون صاحبه مسخا مزريا ويجعلونه عرضة للتندر بين الناس ، وبفضل تلك البراعة التصويرية والمقدرة الأدبية يصورونه بأبشع صورة غريبة عن المألوف ، مثيرة للضحك والبكاء في آن واحد معا ، حتى ليصبح أدق الشبه بأصحاب الصور الكاريكاتورية . أمّا بروز هذه الظاهرة في العصر العباسي ، واقتصار هذه الدراسة عليها في هذا العصر ، فلا يعني ذلك عدم وجود بعض الأبيات الساخرة في العصور الماضية وإن كانت في حدود ضيقة ، غير أنّ الظروف التي غيرت وجه المجتمع في العصر العباسي ومنحته شكله الجديد ، والاضطراب في مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتطور الحياة الفكرية والعقلية ، استوجب صداما بين الشعراء ومجتمعاتهم في هذا العصر أدى إلى الرفض والإنكار والثورة أحياناً ، وتعد أهاجيهم الكاريكاتورية من أبرز ملامح التحوّل في الموقف الشعري عندهم . فدور الصورة في أهاجيهم هذه لا يقل أهمية عن الصور الكاريكاتورية التي نراها اليوم في الصحف والمجلات ، حيث إنها قد عدت من أبرز أنواع الصور في نقل المعاني ، واعتبرت أداة تصويرها من أكثر الأدوات قدرة على إيصال المعلومات والتعبير عن المواضيع في العصر العباسي . إذن يحاول هذا البحث أن يقوم بدراسة لون من الهجاء في العصر العباسي استوجب