الظواهر الاجتماعية ، الكاريكاتور الاقتصادي اليوم ، حيث يعالج الاضطرابات والسلوكات غير الاعتيادية في الحياة الاقتصادية العباسية بشيء من النقد اللاذع وبغرض اتخاذ موقف معين إزاءها ، ويصوّر بأسلوبه الساخر الحالة التي وصل إليها بعض الشعراء والعلماء .
فنرى مثل هذا الهجاء الكاريكاتوري في شعر ابن الرومي تعريضا بفقر الشعراء وإملاق بعضهم في المجتمع العباسي وعدم وصولهم إلى المكان اللائق بهم . فعين الشاعر الناقدة لم تترك لهذه المشكلة الاقتصادية أن تبقى في بطن المجتمع دون النقد والتسجيل ، بل أعطتها حالة من حالات التركيز لتتحوّل إلى مادة ساخرة تدخل في لب النقد والتحليل ، ويقوم برسمها في لوحة كاريكاتورية تتمثّل في هجائه للشاعر أبي المستهل ، حيث عدّه أكثر جوعا من الذئب ، وصوّره في صورة ساخرة تصبغها المبالغة في حمل سلّة فارغة إلا من بيوت العناكب ، فجعل هذه الصورة تعريضا بالفقر الذي أصيب به بعض الشعراء في المجتمع . فيقول :
وَشَاعِرٍ أجْوَعَ مِنْ ذِيبِ * مُعَشَّشٍ بَيْنَ أعَارِيبِ « 1 »
سَلَّتُهُ أقْفَرُ مِنْ سَبْسَبٍ * فِيْهَا طِرَازٌ لِلْعَنَاكِيْبِ « 2 »
( 360 : 1 )
إضافة إلى ما عالجناه من الأهاجي الكاريكاتورية المتعلقة بفئات المجتمع المختلفة ، فلابدّ لنا أن ننتبه إلى هذه الحقيقة وهي أن أهاجي الشعراء للجوانب المعنوية التي وقفوا فيها موقفا أخلاقيا ، تعتبر لونا من الهجاء الكاريكاتوري الاجتماعي ، لأنّهم ثلبوا مهجويهم بالقيم الفردية المنعكسة انعكاسا اجتماعيا . مثل ما رأيناه في هجوهم بالبخل والعار والهوان . قال إيليا حاوي في هذا الصدد : « لا شكّ أننا نشهد في هذا العصر بقايا من الهجاء القديم الذي يلم بنقائص الأصل والجبن والبخل وعورات الشرف وما إلى ذلك . . . إلا أنّ الهجاء الإيجابي الذي يوضح لنا حقيقة تجارب الشعراء في هذا العصر ، هو الهجاء الاجتماعي الذي يبين حقد الفرد على المجموع ، . . . كما ظهر في شعر ابن الرومي » ( 440 ) . هذا إضافة إلى ما نجده في
هامش
( 1 ) - ذيب : ذئب . معشعش : مقيم .
( 2 ) - أقفر : أكثر فراغا . السبسب : المفازة .