تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
أمّا وجود مثل هذه الأهاجي التي تتّسم بغرض شخصي لمن عابوا الشاعر فلا ينفى قولنا : إنّ ابن الرومي كان أكثر اهتماما بهذا الموضوع الاجتماعي من بين الشعراء العباسيين ( انطر : الملحقات 2 : الرسم البياني 17 ) ، وذلك لأننا إذا تأملنا في أشعار غيره من الشعراء ، لا نجد هذا الوعي الصارم الذي نلمسه في شعر ابن الرومي . فهو في أغلب أهاجيه الاجتماعية ، يقف من فئات مجتمعه موقف محاكمة ونقض ، لا يكتفي بالتعرّض للفرد الواحد ، بل إنه يتعرّض للمجموع بكامله لأخلاقه ومبادئه وقيمه . وإذا كان الشعراء الآخرون انساقوا إلى ما جرى في مجتمعهم متساهلين ، فإنّ ابن الرومي قد تنكر له وأنكر عليه ومدّ إصبعه يشير إليه بإشارة الاتهام . كما يقول في هجاء أبي الصقر :
عَجِبَ الناسُ مِنْ أبِي صَقْرٍ إذ وُلْ - * ليَ بَعْدَ الإجَارَةِ الدِّيْوَانَا وَلَعَمْرِي ، مَا ذَاكَ أعْجَبُ مِنْ أنْ * كَانَ عِلْجاً ، فَصَارَ مِنْ شَيْبَانَا إنَّ لِلْجِدِّ كِيْمِيَاءَ ، إذَا مَا * مَسَّ كَلْباً أحَالَهُ إنْسَانَا يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ، كَمَا شَا * ءَ مَتَى كَائِناً مَنْ كَانَا
( 297 : 6 ) يهجو الشاعر أبا الصقر لتبوّئه منصبا لا كفاءة له فيه ، ولانتحاله نسبا غير نسبه ، ويصوره بصورة كلب أدركته كيمياء الحظ ، فتحوّل إلى إنسان . فهذه الأبيات تمثل واقع مجتمعه أكثر من واقع المهجو ، حيث لا يحل المرء في المحل اللائق به ، وحيث عمّ الزيف والنفاق في ادعاء بعض الفئات الاجتماعية دون أن يرفض المجتمع هذا الادعاء المزيّف أو يحتقرأهله . والشاعر بهجائه الكاريكاتوري يسخر من حمق القدر الذي يرفع شأن كلاب الجهل والأمّية ويحلّها محل الإنسان العاقل الكفؤ . فلعلنا نستطيع أن نجعل معالجة هذه الظواهر الاجتماعية في أهاجي الشعراء الكاريكاتورية لونا من الكاريكاتور الثقافي ؛ حيث إنّ الثقافة تعبر عن العلاقات والاتصال في المجتمع ، والهجاء الكاريكاتوري قد قام بدعم وتوطيد هذه العلاقات في المجتمع العباسي عن طريق توسيع المعارف لدى الناس عبر الصور الكاريكاتورية التي تساهم في إحداث المتعة الفنية وتمثل شكلا من أشكال الثقافة الجماهيرية . ويمثل الهجاء الكاريكاتوري في معالجة بعض