جلدها ، لأنها تشعر ثقل أشعاره وترفضها . فلا يخفى مقدرة ابن الرومي في رسم هذه الصورة ، حيث جعل جزع الشاة المحكومة بالموت ترميزا لإضفاء الحيوية ، وجعل التشخيص عنصرا مسيطرا على هذه اللوحة .
أمّا النماذج التي عالجناها في الهجاء الاجتماعي عند ابن الرومي فلا يعني أنّ كل أهاجيه الكاريكاتورية في الشعراء أو الكتاب تنحصر في المضمون الاجتماعي ، إذ يبدو أنّه قد لاحق كل من انتقده أو أساء إليه من جمهور الشعراء والعلماء . كما نرى ذلك في هجائه لعلي بن سليمان الأخفش ، انتقاما مما عابه في قول الشعر ، فيقول :
تَعِيبُ شِعْرِي وَقَدْ طَارَتْ نَوَافِذُهُ * فِي الْقَلْبِ مِنْكَ وَفِي الأحْشَاءِ وَالْكَبِدِ
كَالْكَلْبِ يَعْذِمُ أعْلَى الرَّوْقِ مُنْقَبِضاً * فِي حَالكِ اللَّونِ صَدْق غَير ذي أوَدِ « 1 »
( 334 : 3 )
فنرى في هذه الصورة تركيز الشاعر على لون المهجو المتمثّل في لون الكلب الأسود ، كما نلمس فيه نوعا من الحركة التي تعطي الصورة شحنة كاريكاتورية وتتمثّل في عض هذا الكلب للصائد ، غير أنّ الفكرة الكاريكاتورية عند الشاعر تنطلق من حقده وثأره ممن عابه في شعره ، ولذلك لم نر فيها من القيمة الاجتماعية ، ما نجده لديه في غيرها من الصور الكاريكاتورية كالصور المتعلقة بأصحاب اللحى مثلا .
ومن هذا النوع هجائه لأبي بكر الحريثي « 2 » ، وهو من الشعراء الذين انتقدوا شعر ابن الرومي ، فأغضبه فقال فيه :
لِلْحريثيِّ أبِي بَكْرٍ غَبَبْ * وَلَهُ قَرْنَانِ أيْضاً وَذَنَبْ « 3 »
( 309 : 1 )
فهذه الصورة الساخرة للحريثي وإن لم تكن لها قيمة اجتماعية لصدورها من غرض شخصي ، ولكنّها تعتبر من الصور الكاريكاتورية المقبولة التي تصطبغ بالمبالغة والسخرية ، وهما من أهم الميزات الشكلية التي تعمل على تدعيم الفكرة الكاريكاتورية .
هامش
( 1 ) - يعذم : يعضّ . الروق : موضع الصائد . الصَدق : الجاد . الأود : الجهد والتعب .
( 2 ) - الحريثي : هو أبو بكر أحمد بن حريث ، من المعتزلة .
( 3 ) - الغبب : اللحم المتدلي تحت الحنك .