تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الحسب ، والسيادة وينسب ما وصل إليه من نعمة وخير إلى الحظ الأعمى ، لا بسبب صفاته وقدراته ، إذ إنّ هذا الحظ الأحمق لا يميز بين الناس بعقولهم وأخلاقهم وفضائلهم الإنسانية الحقيقية ، بل يؤاتيهم بالصدفة والعرض . ولعل نقمة ابن الرومي على البحتري ولحيته هي لعنة يقذفها في وجه أولئك الذين يحترمون أنفسهم بكبر لحيتهم ويعظّمون شأنهم بلحاهم المكتظة المتدلية ، ويقصرون فضلهم ورجولتهم وقيمتهم الإنسانية على مظهر خارجي ، وكذلك أولئك الذين يحترمون الآخرين مستندين إلى مظاهرهم الخارجية ، بينما أنّ طول اللحية وكثافتها لا يدلّ على أية عظمة انسانية حقيقية . فلا شك أنّ أحد البواعث في هجائه للحية البحتري يصدر عن حقده وثأره ، ولكنه لم يكن الباعث الوحيد ، بل لعلّ أهم البواعث في هجائه لأصحاب اللحى هو غيظه من حماقة انسان عصره وجهل أفراد مجتمعه لمواضع الفخر الحقيقي في الإنسان . « لقد كانت ثورة إنسان العقل والمعرفة الحريص على الكرامة الانسانية ألا تزيّف وتنمى إلى من لا ينتمون إليها بفعل حقيقي من حريتهم وكفاءتهم . وليس من سبيل الصدفة قط أن يقرن الشاعر أبدا بين صاحب اللحية والحمار وسائر البهائم . لقد تعمّد ذلك تعمدا ، وتفكر به غاية التفكر وخلص إليه من خلال وعيه العميق لإنسانية الانسان » ( حاوي 568 ) . وفي موطن آخر يهجو البحتري هجاء ساخرا . فيقول :
مَا تَجْزَع الشَّاة إذَا شُطِحَتْ * مِنْ ألَمِ الذِّبْحِ وَلا السَّلخ وَلا مِنَ التَّفْضِيلِ مَنْكُوسَةً * وَلا مِنَ الشَيِّ وَلا الطَّبْخ لَكِنَّهَا تَجْزَعُ مِنْ خِلَّةٍ * تَقْدَحُ فِي الأحْشَاء بِالْمَرْخ « 1 » تَشْفَقُ أنْ يُكْتَبَ فِي جِلْدِهَا * شِعْرُكَ يَا ذَا الْقَرْنِ وَالكَشْخ « 2 »
( 97 : 2 - 98 ) فالشاعر في سبيل هجاء البحتري والسخرية منه يرسم صورة كاريكاتورية للشاة ، حيث إنّها لا تجزع من الذبح أو السلخ أو الشيّ أو الطبخ ، ولكنّها تجزع من كتابة شعر البحتري على
هامش
( 1 ) - المرخ : شجر رقيق سريع الوري يقتدح به . ( 2 ) - الكشخ ، الكشخان : الديّوث ، وهو لفظ دخيل .