غَلَبُونِي بِهِ عَلَى كُلِّ حَظٍّ * غَيْرَ حَظّ يَفُوقُ كُلِّ اغْتِصَابِ
( 314 : 1 - 315 )
فهذه الصورة تنطوي على البعد الكاريكاتوري الذي ليس إلا قناعا لذاك الاختلال الموجود في مجتمع الشاعر ، ويعتبر رسالة فعلية تنطلق من ذاك التشويه الذي رآه الشاعر في افراد هذا المجتمع . فيستعين لإبرازه بتصوير كاريكاتوري يعتبر تمثيلا لمرارة الكفؤ الجدير الذي لا تجديه جدارته ولا يقدّر باستحقاقه ، ويتوسل به لرجحان أولئك ورسوّ هؤلاء ، بالمبالغة التي تقوم على ناموس الجاذبية ، ليعلل الظاهرة تعليلا واقعيا ؛ حيث إنّ خفّتهم هي التي تسببت في علوّهم وطيرانهم ، لأنّ الأشياء تعلو بقدر ما تخف . فيرسم مهجويه في حالة الطيران حتى وصلوا إلى أعلى مكان لخفة وزنهم ، بينما الذين رجحوهم رسوا لرجاحتهم كالصخر ، كما يستمدّ الشاعر من التشبيه في رسم مهجويهم فتارة يشبههم بالذر يشيلون في الفضاء ويتعالون ، وتارة بالجيف طفوا لخفتهم على البحر ، كما لا يقتنع الشاعر بهذا التصوير لاحتقارهم ، بل صوّر جيف هؤلاء القوم كجيفة الحياة الكبرى النتنة ، يدبّ على صدرها الناس كالديدان ، يتغذّون بالنتن والفساد والقذارة . ثمّ يرسمهم مرة بشكل الغثاء الذي يغشى سطح البحر كما يشبه نفسه وغيره من الجدراء بالمرجان ، وفي تشبيههم بالدرّ والمرجان نوع من التهكم والسخرية بالجبروت الظاهر الكاذب . ذاك الجبروت الذي يتأثر به الشاعر حتى ينتقد الواقع الذي يتألمه ، ذاك الواقع الذي يجري عليه الناس ويفرضونه عليه ، فلذلك يعيش ابن الرومي فيهم وفي عصرهم كالغريب ، يتشفع بإيمانه وبصديقه أبي سهل . « فشعره بذلك ليس شعر نوع أدبي أو موضوع ، وإنما شعر قضية أو حالة . لذلك فهو يترجح بين مختلف الأنواع والموضوعات وفقا لتطوّر التجربة وانتقالها من الهدوء والرضى إلى الصخب والعنف أو النقمة » ( حاوي 514 ) . فابن الرومي هو نذير اجتماعي ينذر الخسارة والشؤم بالرسم الساخر ، ويرنو إلى اصلاح اجتماعي ولهذا يحمل العلم الأسود المتمثّل في الهجاء الكاريكاتوري ، ليهيّج به عزائم المجدين الكادحين ويدعوهم إلى أن ينوحوا على جيفة الحياة ، وأن ينعوا برفعة اللئام في مجتمعهم بدلا من أن يفرحوا بعيش الحقارة في هذا المجتمع ويترنّموا بما ليس فيه من الجدارة .