تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
يأخذ بحق الجدارة ، بل بالاغتصاب الذي يقوم على الزيف والكذب . فهو يثير على العصر الذي تختل فيه المقاييس ، وتصبح الخدعة والرذيلة من القيم الاجتماعية التي ترفع المنحطين برذائلهم ؛ كما يثير على المجتمع الذي تقع فيه الفضيلة في الدرك الأسفل ، وينعدم فيه الاستحقاق ، فلا يرتفع المرء بفضائله ، بل بتنكره لها ، فهو يعلو برذائله ، بينما يقع ذوو العلم والحكمة والأدب في الحضيض ، يعيشون في غربة بين أصحاب الربح والمال . لقد عرض الشعراء العباسيون هذه الظلمة وعدم التكافؤ ، في قصائدهم الطويلة المتشعّبة ، ودفعتهم هذه النقمة إلى تناول أولئك الذين ارتفعوا في مجتمعهم دون جدارة واستحقاق ، كبعض الشعراء ، والكتاب ، والشرطة ، والتجار في أهاجيهم الكاريكاتورية . فحاولوا أن يعبّروا عنهم من خلال واقعهم وأحاسيسهم الخاصة التي تمسخ هؤلاء وتشوّههم وتحطّ منهم . ولعل قصيدة ابن الرومي في أبي سهل بن نوبخت ، لأفضل القصائد الاجتماعية التي نجد فيها صورا كاريكاتورية ترسم نقمة الشاعر على الأنذال والتافهين كالشرطة والكتاب وبهائم التجار الذين فازوا برغباتهم في ظل دهر يشبههم في سخفه وتلعبه واحتياله . وقصيدته هذه تجري على غرار قصائده المتنوعة ، وقد استهلها ببعض خواطره الاجتماعية المشوبة بالهجاء والإقذاع والسخرية الفاجعة المريرة . فهو ينعى حظوة بعض القوم الخفيفي العقول ، من دون الراجحين الرّاسين أمثاله . فيقول :
طَارَ قَوْمٌ بِخِفَّةِ الوَزْنِ حَتَّى * لَحِقُوا خِفّةً بِقَابِ العُقَابِ وَرَسَا الرّاجِحُونَ مِن جُلّة النّا * س رُسّوا الْجِبَالِ ذاتِ الْهِضَابِ وَلَمَا ذَاكَ للِّئَامِ بِفَخْرٍ * لا وَلا ذَاكَ لِلْكِرام بعابِ هَكَذَا الصَّخْرُ رَاجِحُ الْوَزْنِ راس * وَكَذَا الذَرُّ شَائِلُ الوَزْنِ هَابِ فَليَطِرْ مَعْشَرٌ ، وَيَعْلوُا فَإنِّي * لا أرَاهُمْ إلا بِأسْفَلِ قَابِ جِيَفٌ أنْتَنَتْ ، فَأضْحَتْ عَلَى اللُّجْ - * - جَةِ وَالدُّرُّ تَحْتِهَا فِي حِجَابِ وَغُثَاء عَلا عُبَابا مِنَ اليَمْ - * - مِ وَغَاصَ الْمَرْجَانُ تَحْتَ العُبَابِ وَرجَالٍ تَغلبُوا بِزَمَانٍ * أنَا فِيهِ وَفِيهِمُ ذُو اغْتِرَابِ