وفي موطن آخر من ديوانه نرى صورة يسخر فيها من زنجيّة ، يصوّر سوادها هكذا :
هِيَ سَوْدَاءُ غَيْرَ أنَّ عَلَيْهَا * ظُلْمَةً تَدْلَهِمُّ مِنْهَا الْقُلُوبُ
فَتَرَاهَا كَأنَّهَا حِينَ تَبْدُو * عَظْلمٌ فَوْقَ صَدْرِهَا مَصْبُوبُ
( 154 : 1 )
فإذا دققنا النظر في هذه اللوحات التي رسمها الشعراء للخدم والجواري ، نلاحظ أنها وإن اختلفت في الصور والألفاظ ، لكنّها تتميّز بتركيزها على المفارقات والمناقضات التي شاهدها الشعراء في مهجويهم بالتضخيم والمبالغة ، ليتكوّن منها تصوير كاريكاتوري مثير للضحك والسخرية . فلا شكّ أنّ هذه العيوب لم تكن في ملامح أصحابها بقدر ما كانت في عيون الشعراء ، ولكن ما عانوا به في نفوسهم من مشاهدة هذه التناقضات جعلهم يلجون في حدود الخيال ، ويبالغون في العيوب والعاهات ، حتى يخلقوا هذه التصاوير الكاريكاتورية المشبعة بنفسية أصحابها وبروح العصر الذي عاشوا فيه .
3 - 3 - 4 الشعراء والكتاب والنحاة والمتكلمون
لا شكّ أنّ الشاعر ليس عالما اجتماعيا يرى الأشياء بعفوية ، ويقوم بتقريرها دون مبالاة ، بل هو ثائر اجتماعي يصل إلى إدراكه الاجتماعي من خلال تجاربه اليومية شيئا فشيئا ، فيرسخ هذا الإدراك في نفسيته ، حتى يطلب حقه وحق الأدب والعلم وفضائل النفس التي مثَّلها . فطبيعي أن يبدي هجاؤه الكاريكاتوري غيرته على الذين يخالفون مُثُله الانسانية وينتهكون ما يعتقد به من الأصول الاجتماعية ، ويعلن نقمته الفردية على المجموع . ومن خلال هذه النقمة التي يتولّد منها الهجاء الاجتماعي ، تظهر التناقضات الاجتماعية وعدم التكافؤ بين المصائر ، والظلامة والاغتصاب بين الأشخاص في المجتمع ويرى أحد الباحثين « أنّ هذا الضرب أكثر أنواع الهجاء تعقيدا وأعمقها تجربة إنسانية » ( فوزي 163 ) .
لقد علمنا أنّ هناك أسبابا كثيرة تثير نقمة الشاعر على المجتمع ، لكنّ ثمة سببا مهما يغذي هذه النقمة ، وهو معاناته من فشله الذي ازدوج بنجاح الذين من دونه ، ممن لا فضيلة لهم أو كفاءة لديهم . فهو يشكو من عدم التكافؤ الاجتماعي من خلال شكواه على عدم تكافؤ نفسه ، وينعى العدالة الاجتماعية عن طريق نعيه لبؤس حمّله عليه ذاك المجتمع الذي لا