أسَاءَ بِالْمُسْلِمِينَ جَالِبُهُ * لا كَانَ من جَالبٍ ولا جَلَبُه
( 205 : 1 - 206 )
فإذا نظرنا في هذه اللوحة الشعرية وجدنا أنّ ابن الرومي على غرار ما دأب عليه الرسامون في صورهم الكاريكاتورية يثير السخرية بالمبالغة ، ويستمد من التصوير المتحرك للتعبير عن فشل خادمه في قضاء أمور سيّده . فتكون الحركة في هذه اللوحة من أهم العناصر التي يعمد إليها الشاعر لتأخذ الصورة قوتها ولتفعل فعلها . إذ يصور الشاعر خادمه عندما يذهب إلى السوق ليشتري الفاكهة لقرى الضيوف ، ولكنّه يماطل في شرائها ، وهذه المماطلة هي المحور الذي تدور حوله بقية أحداث الصورة ، حيث انقطع الرجاء من رجوعه ، وظنّ الضيوف الذين كانوا منتظرين لعودته ، أنّه لن يعود قبل يوم الحساب . فكأنّه لم يشتر الفاكهة من أصحاب الحوانيت ، بل حاول أن يجتنيها من كروم الجنة . فلو قدّرت عودته - وذلك لمّا أهلكه الجوع - ليأتي ، فجاء وقد حمل من أسوأ الثمار ما خيب آمال الضيوف ، فكان رجوعه مثيراً للغضب أكثر من غيبته . فكما نرى أن الإدهاش في اللوحة ينبع من مماطلة الخادم وهذه المماطلة تظهر في أمور مغايرة للمتوقع تماما ، يستعين بها الشاعر ليعلل غياب خادمه ؛ فتمثلت في مصادفة التيس الذي ظلّ يستدرّ حليبه « 1 » أو في اعتراض الردم دون حاجته ، فلا يمكنه الحصول عليها ، أو في لقائه ليثاً هائجا ، منعه من العودة . فبعد هذا التصوير الساخر لخادمه المماطل لا نستغرب أن يطلب الشاعر بيعه ، بل يهبه إلى أصحاب الحظ التعس ، وحتى يقول : إن من اجتلبه وباعه قد أساء به إلى المسلمين جميعا . فشاعرنا وإن ضرب على وتر التضخيم منذ البداية في رسم لوحته ، إلا أنّ فكرة تصويرها تولّدت لديه من شعور حادّ يتفجّر منه الغضب على خادمه . « وجاء إلمام ابن الرومي بهجاء خادمه مؤكدا الصفة الوجدانية لشعره ، ولصوقه الحميم بواقعه الحياتي ، فكان الشعر وسيلة له للتنفيس عمّا يعتريه من مشكلات وهموم جزئية عارضة . فهو يتصدى إلى أعلى مستويات التجربة الشعرية ، إلى الهموم الميتافيزية وإلى أدناها كالغضب الذي يعتريه من تخلّف خادم في خدمته » ( حاوي 557 ) .
هامش
( 1 ) - مثل هذا المعنى ما نراه في قول البحتري : ( راجع الثعالبي ، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ، ص 379 )أيا صالحا لا يجزك الله صالحا * فإنّك مثل التيس أخفق حالبه