لئلا يسمع صوته القبيح . وهذا ما يقوله في تلك الصورة :
وَمُغَنٍّ بِبَرْدِهِ وَنِدَاهُ * تَخْمُدُ النَّارُ حِينَ يَفْتَحُ فَاه
يَتَغَنَّى بِغَيْرِ رُزْءٍ ، وَلا * يَسْكُتِ إلا بِحُكْمِهِ وَرِضَاه
يَتَمَنَّى السَّمِيعُ حِينَ يُغَنِّي * أنَّهُ قَبْلَ ذَاكَ صُمَّ صَدَاه
( 115 : 1 )
وهناك لوحة أخرى رسمها الشاعر لأبي سليمان بهجائه الكاريكاتوري ، فيغلو في رسمها وتمثيلها ، حيث يقول :
يَطُولُ يَوْمِي ، إذَا قُرِنْتُ بِهِ * كَأنّني صَائِمٌ وَلَم أصُمِ
يَفْتَحُ فَاهُ مِنَ الجِهَادِ كَمَا * يفْتَحُ فَاهُ لأعْظَمِ اللُّقْمِ
مَجْلِسُهُ مَأتَمُ اللِذَاذَاتِ وَال - * - قَصْفِ وعُرْسُ الْهُمُومِ وَالسَّدمِ « 1 »
كَأنَّنِي طُولَ مَا أُشَاهِدُهُ * أشْرَبُ كَأسِي مَمْزُوجَةً بِدَمِي
تَشْهَدُهُ فَرْطَ سَاعَتَيْنِ فَيُنل - * - سِيكَ عُهُوداً ، لم تُؤتَ مِنْ قِدمِ
عِشْرَتُهُ عشرةٌ تُبارِكُ فِي ال - * - أعْمَارِ لَوْلا تَعَجَّلُ الهرمِ
يَسْوَدُّ من قُبْحِ مَا يَجِيءُ بِهِ * حَتَّى كَأنْ قد أُسِفَّ بالفحمِ « 2 »
نَبْرتُهُ غُصَّةٌ ، وهِزَّتُه * مثلُ نبِيبِ التُيُوسِ فِي الغَنَمِ
يُفزَّعُ الصِّبْيَةُ الصّغَارُ بِهِ * إذا بَكَى بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَنَمِ
( 9 : 6 - 10 )
لقد تميّزت هذه اللوحة الكاريكاتورية بتركيب الصور المختلفة البعيدة عن الذهن ووجود العلاقات المباشرة بينها ، كالعلاقة بين الغناء السيء ويوم الصوم . فمحاولة الشاعر للمقارنة بين الأشياء وتقليب المعاني المختلفة ، قد تسنّى له العثور على بعض العلاقات ، وتوظيفها في رسم هذه اللوحة الكاريكاتورية الساخرة . فصوّر فيها حالة المستمع الذي يعاني ممّا يسمع من غناء أبي سليمان معاناة نفسية شديدة . وقد استمدّ الشاعر في تصوير هذه المعاناة من عنصر الزمان الذي جعله طويلا ، بسبب الملل والسأم ، واستعار زمن الصوم لزمن الاستماع ، بجامع
هامش
( 1 ) - القصف : الإعلان باللهو . الإقامة في الأكل أو الشرب واللهو . السدم : الهم مع الندم ، الغيظ مع الحزن .
( 2 ) - أسف وجهه ( بصيغة المجهول ) : تغيّر ، أي كأنه ذر عليه الرماد ، أو ذر عليه الفحم .