طول الانتظار . ثمّ انتقل من هذا التصوير المعنوي إلى التصوير الجسدي ترسيخا لذاك المبدأ الجمالي التكاملي الذي نراه في رسومه للمغنين والمغنيات ، فيصوّر أعضاء المغني أثناء أدائه للغناء ، تصويرا كاريكاتوريا ساخرا ، منها جحوظ عينيه ، واسوداد وجهه لانقطاع نفسه مبالغة ، كمن يتعرّض للاختناق ، واتّساع فمه للصوت والغناء ، كمن يفتح فمه للقمة عظيمة ، فيظنّ المغنّي أنّه يأكل ولا يغنّي ، وهذه ذروة سخريته منه في لوحته الكاريكاتورية . فيقول :
يَفْتَحُ فَاهُ مِنَ الجِهَادِ كَمَا * يفْتَحُ فَاهُ لأعْظَمِ اللُّقْمِ
فيبدو مثل كهف مظلم تنطلق منه الحشرجة إثر الحشرجة ، يقطع النغم ويهتز كالتيس ، وهكذا ينقلب الأداء والفعل عند المغنّي ، وتتغيّر الحالة النفسية عند المستمع ، وإنّما يبعث مع الخمر شعورا بالقتل ، كأنّ السامع يشرب دمه في كأسه .
3 - 3 - 3 الخدم والجواري
كان الخدم والجواري في العصر العباسي فئة من الفئات التي قام الشعراء بهجائها ورسموا لها لوحات ساخرة في قصائد متنوعة ، حيث تحوّل غيظهم إلى صور ماسخة لصقوها بها ، وانطوت أبياتهم على التحقير والسخرية منها .
فإذا بحثنا في دواوينهم لاحظنا أبياتا في هجاء الجواري ، كما تلفت النظر بينها صور ماسخة تثير الضحك والسخرية من بعضهنّ ، منها ما نلاحظ في ديوان أبي نواس في استهزائه بجارية اسمها « بنان » ، فجرّدها من الجمال في لوحة كاريكاتورية جعلتها منكرة لا أحد يطيق النظر إليها . فيقول :
وَجْهُ بَنَانٍ كَأنَّهُ قَمَرٌ * يَلُوحُ فِي لَيْلَةِ الثَّلاثِينِ « 1 »
وَالْخَدُّ مِنْ حُسْنِه وبَهْجَتِه * كَطَاقَةِ الشَّوْكِ فِي الرَّيَاحِينِ
مُبَادِرٌ مِنْ جَبينِها نَسَمٌ * فِي الطّيبِ يَحْكِي مبَاولَ العِيْنِ « 2 »
وَالْفَمُ مِنْ ضَيْقِهِ إذَا ابْتَسَمَتْ * كَأنَّهُ قَصْعَةُ الْمَسَاكِينِ
هامش
( 1 ) - قوله « الثلاثين » بكسر النون لغة .
( 2 ) - العين : البقر الوحشي .