استهزأ ابن الرومي بكنيزة حيث جردّها من الصفات الحسنة ، وجعلها منفّرة في صوتها وأعضائها ، ورائحتها . فشبّهها في برودتها بالثلج ، وهذه صفة معنوية تغني عن صفات كثيرة . أمّا صفاتها الحسية فهي إمّا جسدية أعطاها الشاعر البعد الكاريكاتوري ، وقد تمثّل في هزة بطنها ، ليشير إلى ارتخائه وتهدّله ، وفي لونها الأصفر التي يشبه لون الأترج ، فكأنها معلولة ، وفي أعضائها المتباينة التي لا تناسق بينها . وإمّا غير الجسدية فتمثّلت في صوتها المتقطع ، المزعج ، وفي رائحتها الكريهة التي تشبه رائحة الثّوم .
وفي موضع آخر من ديوانه نرى في هجائه الكاريكاتوري لكنيزة ، ذاك الربط الذي نجده عند الشاعر بين قبح منظر المغنيات وصوتهنّ ، حيث رسم لها إلى جانب قبح صوتها ، جسماً نحيلا يشبه جسم العنكبوت ، فكأنّها لهزالها مصابة بالسل ، فلا تصلح أن تكون غذاء للطير ، ثمّ دعاها إلى السكوت أبد الدهر ، ليربط بين قبح منظرها وصوتها ، فيقول :
فَقَدْتُكَ يَا كنيزةُ كُلَّ فَقْدٍ * وَذُقْتِ الْمَوْتَ أوَّلَ مَنْ يَمُوْتُ
وَيَابِسَةُ الأَسَافِلِ وَالأَعَالِي * كَأنَّكَ فِي الْمَجَالِسِ عَنْكَبُوتُ
عِظَامٌ قَدْ بَرَاهَا السِّلُّ بَرْياً * فَمَا فِيْهَا لِبَعْضِ الطَّيْرِقُوْتُ
سَأقْتَرِحُ السُّكُوْتَ عَلَيْكَ دَهْرِي * فَأحْسَنُ مَا تُغَنِينَ السُّكُوْتُ
( 447 : 1 )
أمّا المغنون أيضاً فلم يسلموا من ريشة ابن الرومي الساخرة ، إذ تناول عيوبهم بالرسم الكاريكاتوري الذي جعلهم خالدين في متحف الصور الكاريكاتورية الشعرية . كتلك الصورة التي رسمها لأبي سليمان الطنبوري في قوله هذا :
أبُو سُليمانَ لا تُرضَى طَريقَتُهُ * لا فِي غِنَاءٍ وَلا تَعلِيمِ صبيان
لَهُ إذا جَاوَبَ الطَّنْبُورَ مُحْتَفِلا * صَوْتٌ بِمِصرٍ وضَرْبٌ فِي خراسان
عَواءُ كلْبٍ عَلَى أوتار مِنْدَفَة * فِي قُبْحِ قِردٍ وَفِي استِكبَار هَامَان
وَتَحْسَبُ العَيْنُ فَكَّيْه إذَا اخْتَلَفَا * عِنْدَ التَنَغم ، فَكي بَغْلِ طحّان
( 288 : 6 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 9 )
إنّ أبا سليمان مغن ومعلم صبيان ، ومن مقدرته الضرب على الطنبور ، وهذا أمر عاديّ وحادثة عابرة لا يتوقف أحد عندها كثيراً ، إلا أنّها تعتبر مادة خام لشاعرنا ابن الرومي ليحيلها