سوى الهم والغم . فيقول :
لَيْسَ كَالسُّكْرِ دَوَاءٌ * لِغِنَاءٍ كَالدَّوَاءِ
فَاسْقِنِي عِشْرِينَ رَطْلًا * لا تَشَبَّهْنَ بِمَاءِ
فَلعَلَّ السُّكْرَ يَكْفِيْ - * - نِي أذَى هَذَا العُواءِ
مَنْ رَأى مُنْتَحِباً غَيْ - * - رِي عَلَى سُوءِ الغِنَاءِ ؟
( 81 : 1 - 82 )
فما رسمه الشاعر من المشاهد الساخرة دليل على أنّ صوت المغنية القبيح يجعله محزونا ، وهذا الأمر ما يجره إلى أن يشرب عشرين رطلا من الخمر الصافية قبل أن يسمع صوتها ، ليتمكّن من تعطيل حواسه جميعا لدى استماع غنائها ، ويغيب عن الوجود . فيتحسّر الشاعر على انحدار الغناء في صوت هذه المغنية ، بل ينتحب على ما وصل إليه فن الغناء في هذه الأصوات المنكرة التي تذهب بقيمة الغناء .
ومن خلال البحث في ديوان ابن الرومي ، نلاحظ أنّه هاجم بهجائه الكاريكاتوري المغنية « كنيزة » في غير مقطوعة ، وجعل منها امرأة لا تطاق ولا تحتمل ، منها ما يقول :
وَقَيْنَةٍ أبْرَدُ مِنْ ثَلْجَةٍ * تَظَلُّ مِنْهَا النَّفْسُ فِي ضَجَّهْ
مَا أكْذَبَ الْمُطْنِبَ فِي وَصْفِهَا * لا صَدَّقَ اللهُ لَهُ لَهْجَهْ
فَظِيْعَةٌ فَالْحَلْقُ فِي سَكْتَةٍ * وَبَطْنُهَا القَرْقَارُ فِي رَجَّهْ « 1 »
خَالِصَةُ النَّتْنِ وَلَكِنَّهَا * فِي رِيقِهَا مِنْ سَلْحِهَا مَجَّهْ
كَأنَّهَا فِي نَتْنِهَا ثُوْمَةٌ * لَكِنَّهَا فِي الْلَّوْنِ أُتْرُجَّهْ « 2 »
تَفَاوَتَتْ خِلْقَتُهَا فَاغْتَدَتْ * لِكُلِّ مَنْ عُطَّلَ مُحْتَجَّهْ
لا تِلْكُمُ الأَوْصَالُ مُهْتَزَّةً * كَلا وَلا الأَرْدَافُ مُرْتَجَّهْ
مَا جُنَّ مِنْ عِشْق فُؤَادٌ بِهَا * كَلا وَلا ذَابَتْ بِهَا مُهْجَهْ
رَسْمٌ مُحِيلٌ بَانَ سُكَّانُهُ * فَمَا عَلَى أمْثَالِهِ عَرْجَهْ
( 32 : 2 )
هامش
( 1 ) - القرقار : تنحت منه القصاع ، المصوت .
( 2 ) - يقصد أنها صفراء