تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
إلى صورة كاريكاتورية لا تخلو من رغبة الانتقام ، إذ إنّه غير راض عنه ، ويريد أن يخرسه إلى الأبد ، فيلجأ إلى الأسلوب التأليفي وجمع معان متعددة لخدمة معنى واحد نرى من خلالها مدى براعة الشاعر في رسم الصور الساخرة . فيُسمع بعض قرعه المتنافر في مصر وبعضه في خراسان ، ثمّ يرّكب صوته الذي يضاهي عواء الكلب بقرع الطنبور ، بينما أنّ النباح للكلب والعواء للذئب ، وربّما اختاره الشاعر لطول مد الصوت . فهذا الصوت القبيح يجذبنا لنرى وجه صاحبه ، وهنا يجمع الشاعر قبح الصوت إلى قبح الوجه ، ليُظهر ذاك المبدأ الجمالي التكاملي الذي يؤمن به ، ويلجأ إلى الصورة الكاريكاتورية التي تتجلى من خلالها عبقريته الفنية ، فيرسمه في بشاعة القرد ويزيد ذلك في تكبره الذي قرنه بهامان ، على الرغم من فقده كل أسباب التكبر والغرور . ثمّ يختتم لوحته الساخرة برسم فكيه اللذين يشبهان فكي بغل الطحان الذي يحركهما وهو يدور حول الرحى ، ويبدو أنّه يريد بغل الطحان بسبب « مداومته على فتح فكيه على اتّساعهما بسبب الإجهاد ، أو بسبب ما يثور من غبار الطحن ونخالته » ( عبد الحميد 149 ) . وفي ديوانه نجد صورة لمغن آخر تتّسم بالحركة التي تعطي الصورة شحنة كاريكاتورية ، حيث جعل خشونة صوت المغني سببا لإفزاع صبيان الشاعر ، فيبكون في طول الليل ، حتى لم يتمكّن الشاعر من تهدئتهم ، وإن استعان بكل شيء ، فيقول :
بِتُّ وَبَاتَ الصِّبْيَانُ فِي أرَقٍ * مِنْ بَحَّةٍ لَمْ تَزَلْ تُفَزِّعُنَا يَبْكُونَ مِنْ خَوفِهَا وَيُسْهِرُنِي * بُكَاؤُهُمُ ، فَالْبَلاءُ يَجْمَعُنَا نَحْتَالُ لِلنَّوْمِ كَيْ يُواتِيَنا * بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ يَنْفَعُنَا « 1 » لا حَفَظَ اللهُ تِلْكَ مُسْمِعَةً * مَا يَكْرَهُ السَّامِعُونَ تُسْمِعُنَا
( 184 : 4 ) وفي تصوير آخر يسخر من مغنّ ويقبّحه ، حيث يرسم صورة للرذاذ الذي يخرج من فمه أثناء الغناء ، ويطفئ نارا مشتعلة ، فهذه الصورة جديدة لم نرها عند غيره من الشعراء . ثم ينتقل إلى رسم صورة السامع الذي يتمنى لو كان أصيب بالصمم ، أو هلك قبل سماعه هذا الغناء ،
هامش
( 1 ) - يواتينا : يصيبنا .