لَهَا ثَنَايَا تَحْكِي بِبَهْجَتِهَا * وَحُسْنِهِا ألْسُنَ الْمَوَازِينِ
وَحَسْبُكَ الْحُسْنُ فِي ضَفَائِرِهَا * مِثْلُ الشَّمَارِيخِ فِي الْعَرَاجِيِ « 1 »
وَالْجِيْدُ زَيْنٌ لِمَنْ تَأمَّلَهُ * أشْبَه شَيْءٍ بِجِيْدِ تِنِّيْنِ « 2 »
وَمَنْكَبَاهَا فِي حُسْنِ خَلْقِهِمَا * فِي مِثْلِ رُمَانَتَيْنِ مِنْ طِينِ « 3 »
وَالْبَطْنُ طَاوٍ تَحْكِي لِطَافَتُهُ * مَا ضَمَّنُوهُ كُتْبُ الدَّوَاوينِ
وَالسَّاقُ بَرَّاقَةٌ خَلاخِلُهَا * كَأنَّهَا مِحْرَكُ الأَتَاتِينِ « 4 »
تَفْتِنُ مَنْ رَامَهَا بِلَحْظَتِهَا * كَأنَّهَا لَحْظَةُ الْمَجَانِيْنِ
وَأحْسَنُ النَّاسِ مَحْجَراً أنْفاً * أشْبَهُ شَيْءٍ بِمَحْجَرِ النُّونِ « 5 »
وَأقْرَبُ النَّاسِ فِي الْخُطَا خَفْراً * خُطْوَتُهَا مِنْ نسَا إلَى الصِّينِ « 6 »
وُلِدْتِ مِنْ أُسْرَةٍ مُبَارَكَةٍ * لا عَيْبَ فِيْهِمْ ، مِنَ الشَّيَاطِينِ
( 407 - 408 )
فهذه الأبيات كلوحة كاريكاتورية قد جرّدت الجارية من الجمال ، بأسلوب يشبه أسلوب المديح ، إلا أنّ هذا التمجيد يحيل ضمنياً إلى التحقير ، وهذا التناقض هو الذي يثير السخرية . فصوّر الشاعر وجهها شاحب اللون كالقمر في ليلة الثلاثين ، حتى أصبحت بهجة خدّها كطاقة الشوك في الرياحين . ثمّ رسم لها صورة كاريكاتورية ساخرة بمسخ جبينها وفمها وثناياها وضفائرها وجيدها ومنكبيها وبطنها وساقيها ، وبتشويه مطلعها وخطوتها . ولعلّ عناية الشاعر بكثرة الأوصاف التي تتمثل في تراكم التشبيهات قد جعلت الجانب الكاريكاتوري قوي التأثير في هذه اللوحة ، غير أنّ هذا الجانب يتصاعد تدريجيا حتى يصل الشاعر إلى التعرض لأصل المهجوة بوصفه من الشياطين .
أمّا دعبل فيخلق لجاريته « غزال » ، لوحة كاريكاتورية مختلفة الألوان والظلال ، يجمع
هامش
( 1 ) - الشماريخ : الواحد شمراخ ، العذق عليه بسر أو عنب . العراجين : الواحد عرجون ، وهو أصل العذق الذي يعوج .
( 2 ) - التنين : الحيّة العظيمة .
( 3 ) - المنكب : مجتمع رأس الكتف والعضد .
( 4 ) - الأتاتين : الواحد أتّون بالتشديد ، الموقد ، والعامة تخففه .
( 5 ) - الأنق : المعجب . المحجر : ما دار بالعين . النون : الحوت .
( 6 ) - نسا ، فتح أوله : مقصورة وهي بخراسان بينها وبين سرخس يومان وبينها وبين مرو خمسة أيام .