وفي موطن آخر من ديوانه يستهزأ بالمغنية شنطف ، التي كانت أشد المغنيات إثارة لغضب ابن الرومي لقبح صوتها ومنظرها ، إذ كان الشاعر لا يستطيب ولا يستعذب غناء حتى تكون صاحبته جميلة . فيقول :
شُنْطُفُ يا عُوْذَة السَّمَاوَاتِ وَالْ - * أَرْضِ وَشَمْسَ النَّهَارِ وَالْقَمَرِ « 1 »
إنْ كَانَ إبْلِيسُ خَالِقاً بَشَراً * فَأنْتِ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ البَشَرِ
وَلم تُعافي مِنَ البِغَاءِ ، وَلا الْ - * - بَرْدِ ، وَخُبْثِ النَّسِيمِ وَالدَّفَرِ « 2 »
بَلْ أنْتَ فَوْقَ الْمُنَى إذا ذُكِرَ الْ - * - قُبْحُ وَفُحْشُ العُيوبِ وَالقَذَرِ
وَالطَّيْرُ عِنْدَ الغِنَاءِ مُخْتَلِجٌ * تَضْحَكُ أشْدَاقُهُ إلَى الْكَمَرِ
( 88 : 3 )
فهنا الشاعر يثأر للجمال في مظاهره المختلفة ، حيث ينسب إلى المغنية جميع الرذائل ، منها الدعارة ، ومنها رائحة الفم الكريهة ، وسخط الغناء ، ويجعلها ممن خلقهم الشيطان على صورته ، ثم يبلغ بالسخرية إلى ذروتها حيث يقول : إذا غنت هذه المغنية تهزأ الطيور من صوتها ، فالبؤرة الكاريكاتورية تكمن في هذا البيت الأخير ، وتشبه بالانفجار الذي يأتي بعد سكون متدرّج ، فتعتبر بقية الأبيات قاعدة للوصول إلى هذه البؤرة التي تثير الدهشة .
وفي موطن آخر قد رسم صورة ساخرة لهذه المغنية وبلغ في رسمها إلى مكان يجعل كل من يسمع صوتها يصبح صريعا وقتيلا ، ومن أجل ذلك يطلب منها أن تسكت رأفة بالناس . فيقول :
إذَا مَا شُنْطُفٌ نَكَهَتْ أمَاتَتْ * فَمِنْ نُدَمَائِهَا قَتْلَى وَصَرْعَى
ودعْهَا حَيْثُ لا تُسْقَى وَتُرْعَى * حَمَاهَا اللهُ أنْ تُسْقَى وَتُرْعَى
فَإنْ جَاءَتْ فَلا أهْلًا وَسَهْلًا * وَإنْ ذَهَبَتْ فَلا حِفْظاً وَرُجْعَى
( 121 : 4 )
وعلى هذا الغرار ما رسمه لصوت المغنية « نزهة » ، حيث يمثّله بالعواء ، لا يثير في النفس
هامش
( 1 ) - العوذة : الرقية تقي الإنسان من العين والجنون .
( 2 ) - الدّفر : النتن .