سَيَبْكِي البَمُّ مِنْ جَزَعٍ عَلَيْهِ * وَتَبْكِيهِ المَثَالِثُ وَالمَثَانِي « 1 »
وَتَثْكُلُهُ القِيَانُ وَحَافِظُوهَا * وَيَنْعَاهُ الزِّقَاقُ إلى الدِّنَانِ « 2 »
( 175 - 176 )
أمّا ابن الرومي فإنّه أيضاً قد تناول المغنين والمغنيات في عصره بهجائه الكاريكاتوري ، وأطال النظر فيهم ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 11 و 17 ) ، فلم يكتف بتجريدهم من الصفات الحسنة ، بل صوّرهم منفّرين في أصواتهم وأعضائهم وحتى رائحتهم . ورأى القبح في وجوههم ، والشذوذ في أصواتهم ، والنكر في أعناقهم حين تهتز وتتلوى ، مثل هذه الصورة الماسخة التي رسمها لإحدى مغنيات عصره عند الغناء ، جعل صوتها سببا في ترك اللذة واللهو ، كما صوّر له صورة غصة معترضة في حلقها ، تسبب تشنجا في عروق جيدها ، حتى يشبه كل منها ببيت للأرضة . فيقول :
قَيْنَةٌ مَلْعُونَة مِنْ أَجْلِهَا * رَفَضَ اللَّهْوَ مَعَاً مَنْ رَفَضَهْ
تَضْغَط الصَّوْتَ الَّذِي تَشْدُو بِهِ * غُصَةٌ فِي حَلْقِهَا مُعْتَرِضَهْ
فَإذَا غَنَّتْ بَدَا فِي جِيدِهَا * كُلُّ عِرْقٍ مِثلَ بَيْتِ الأَرَضَهْ « 3 »
( 52 : 4 )
واشترط في مكان آخر أن تكون المغنية جميلة الصورة والصوت معا ، ويربط بين صوتها ومنظرها ، فكأن جمال المغنية جزء لا يتجزّأ من صوتها ؛ إذ يسخر من اتّساع فم المغنية التي تستحقّ الضرب المبرّح بسبب صوتها القبيح ، ويقول :
غَنَّتْ فَمَسَّ القَلْبَ كُلُّ كَرْبِ وَاسْتَوْجَبَتْ مِنَّا ألِيمَ الضَّرْبِ لَهَا فَمٌ مِثْلُ اتِّسَاعِ الدَّرْبِ
( 361 : 1 )
هامش
( 1 ) - البم والمثالث والمثاني : أوتار العود .
( 2 ) - الزقاق والدنان : أوعية الخمر .
( 3 ) - الأرضة : بفتحتين دويبة تأكل الخشب .