تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
المغنية أسود كأنّه مغطّى بالكحل ، وريح فمها كالجيفة التي أصابها طلّ ، فنشر الكراهية ، ويجعل ردفها مثل الطست ، وبطنها كوعاء الخمرالكبير . فصوّر بشاعتها تصويرا دفعه إلى أن يتحلل من حبّها أمام الناس ، فقال :
أشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ * مِنْ هَوَاهَا ، مُتَخَلِّ
( 408 ) وفي موضع آخر يجعل من نفسه ناقدا لغناء مغنيات النخاس موسى بن جنيد ، حيث يهيج الزمهرير ، بعد أن يرسم لهنّ صورة خنافس خلف العيدان . فيقول :
إذَا مَا كُنْتَ عِنْدَ قِيَانِ مُوسَى * فَعِنْدَ اللهِ فَاحْتَسِبُ السُّرُورَا خَنَافِسُ خَلْفَ عِيْدانٍ قُعُودٌ * يُطوّلُ قُربُهَا اليَومَ القَصِيرَا إذَا غنَّيْنَ صَوْتاً كَانَ مَوْتاً * وَهَجْنَ بِه عَلَيْكَ الزَّمْهَرِيرَا « 1 »
( 408 ) وهكذا رأى الشاعر أنّه لا توجد المتعة في غناء قيان موسى ، إذ لا يسرّ غناؤهن المستمعين ، لأنهنّ بشعات كالخنافس ، وغناؤهن أشبه بندب أو عويل ، يبعث الكرب ويدفع إلى الهرب . أمّا دعبل فهو أيضا من المبدعين في رسم الصور الكاريكاتورية للمغنين والمغنيات . ومن الأمثلة على براعته في رسم صورهم الساخرة ، تلك الصورة التي رسمها لمغنية ابن الزيّات ، فصوّرها أقبح من الشيطان ، وجعلها يتحوّل نور الصباح عند ظهورها إلى ظلمة الليل ، وهذه المبالغة كناية عن ذاك الهم الذي أحسّه الشاعر بحضور هذه المغنية البشعة ، فيقول :
إنَّ ابْنَ زَيَّاتٍ لَهُ قَيْنَةٌ * أرْبَتْ عَلَى الشَّيْطانِ فِي الْقُبْح فَلَوْ بَدَتْ حَاسِرَةً فِي الضُّحَى * لأسْوَدَّ مِنْهَا فَلَقُ الصُّبْح
( 79 ) وقيل إنّ هذا اللون من الهجاء الكاريكاتوري قد ترك تأثيرا عميقا في نفسية المغنية ، فأجبرها على ترك الغناء واعتزال الناس . ومن اللوحات الكاريكاتورية التي رسمها للمغنين ، قوله في إبراهيم بن ميمون الموصلي « 2 » :
هامش
( 1 ) - هجن : حركن وأثرن . الزمهرير : البرد الشديد . ( 2 ) - إبراهيم بن ميمون بن بهمن الأرّجاني أبو إسحاق الموصلي ولم يكن من الموصل إنما أقام بها ، وهو فارسي اشتهر بالغناء وغني الرشيد ولم يكن في زمانه مثله غناء ومات ببغداد سنة 188 .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 167 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي