الجرائد والويب .
أما دعبل فمقدرته في رسم الصور الكاريكاتورية لزوجته ، لا يقلّ عما رأيناه عند أبي دلامة ، إذ رسم لها صورا مشوّهة بلغت في أغلبها ذروة الهجاء الكاريكاتوري في الشعر العباسي . كتلك الصورة التي رسمها لها في إحدى لوحاته الكاريكاتورية ، حيث يقول :
أعُوذُ بِاللهِ مِنْ لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي * إلَى مُضَاجَعَةٍ كَالدَّلْكِ بالمَسَدِ « 1 »
لَقَدْ لمَسْتُ مُعرَّاهَا فَمَا وَقَعَتْ * مِمَّا لَمَسْتُ يَدِي إلا عَلَى وَتَدِ « 2 »
فِي كُلِّ عُضْوٍ لَهَا قَرْنٌ تَصُكُّ بِهِ * جَنْبَ الضَّجِيعِ فَيُضْحِي وَاهِيَ الجَسَدِ « 3 »
( 199 )
فالشاعر يفتتح أبياته بالتعوذ بالله من ذلك الليل الذي يدنيه من زوجته ، حيث يصوّر جثتها كالحبل والوتد ، ويرسم في كل عضو منها قرنا صلبا يخزه كلّما انقلب أو اقترب منها . فبهذه الصورة الساخرة سلب منها الأنوثة والنعومة اللتين تتمتّع بهما كل امرأة .
وفي صورة كاريكاتورية أخرى يصوّر دعبل زوجته في صورة أقبح مما رأيناها في اللوحة السابقة ، حيث يقول :
فَوْهَاءُ شَوْهَاءُ يُبْدِي الكَيْدَ مَضْحَكُهَا * قَنْوَاءُ بِالعَرْض ، وَالْعَيْنَانِ بِالطُّوْل « 4 »
لَهَا فَمٌ مُلْتَقَى شِدْقَيْهِ نُقْرَتهُا * كَأَنَّ مِشْفَرَهَا قَدْ طُرَّ مِنْ فِيل « 5 »
أسْنَانُهَا أُضْعِفَتْ فِي خَلْقِهَا عَدَداً * مُظَهَّراتٌ جَمِيعاً بِالرَّوَاويل « 6 »
( 156 ) و ( انظر الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 7 )
فيصوّرها الشاعر في لوحة كاريكاتورية تماما ، إذ رسم وجهها عبوسا ، وأنفها مرتفعا ، وعينيها طويلتين ، وفمها متسعاً ، وشفتها ضخمة ، كأنها قطعت من مشفر الفيل ، وأسنانها متراكبة بعضها فوق بعض ، ثمّ رسم لها أسناناً زوائد على عدد أسنانها ، لكي يجعل منظرها
هامش
( 1 ) - الدلك : الغمزو الفرك . المسد : الحبل المحكم الفتل
( 2 ) - معراها : أي جسدها الذي عرته .
( 3 ) - تصك : تضرب
( 4 ) - فوهاء : كبيرة الفم . شوهاء : عابسة ، وتصيب بالعين . قنواء : مرتفعة الأنف .
( 5 ) - المشفر : الشفة . شبّهها بمشفر الفيل لضخامتها . طرّ : قطع .
( 6 ) - مظهرات : أي بعضها فوق بعض . الرواويل : جمع الراوول ، وهو السن الزائدة خلف أخرى .