الناس في نقد الأوضاع الاجتماعية ، ونقل معاناتهم واهتمامهم ورغباتهم ومصالحهم إلى من سواهم ، كما هو تعبير ذاتي لنفس الشاعر الكاريكاتوري في نقل مكنوناته إلى غيره .
مما أسلفنا في المباحث السابقة علمنا أنّ الشاعر الكاريكاتوري يتوسّل بهجائه الساخر في دفاعه عن نفسه ، فيهجو به من يؤذيه ، ويهدّد من يعاديه ، والصورة الكاريكاتورية في هجائه هذا قد تكون تعبيرا غير مباشر عن النقمة التي تأكل نفس الشاعر ؛ إلا أنّ هذا الأمر لا يدفعنا إلى نسيان ما يقوم به الهجاء الكاريكاتوري في دفاعه عن حقوق الإنسان ، والتعبير عن قضايا المجتمع ومشكلاته الحياتية ؛ لأنّه من الفنون التي تصل بسرعة كبيرة إلى عقل الجمهور وقلبه لخفة ظله واعتماده على الصورة التي تنقل إحساسا معينا إلى المتلقي ، ولِمايتمتّع به من روح كاريكاتورية ساخرة تكسر حاجز الواقعية ، وتظهر عيوب المجتمع الشائنة في صورة ساخرة تدعونا إلى التغيير ، تغيير الثوابت الراسخة في جذور الواقع التي تحتاج إلى التجديد والبعث . وهنا تكمن أهميته التي تفوق أحيانا أهمية بقية أنواع الهجاء وألوان الشعر بمضامينه الاجتماعية . إذن هو انطلاقة لتجربة تعبر عن وجهة نظر صاحبه من جهة ، ومن جهة أخرى يحاول أن يكون تجربة تستبطن هموم ومشاكل المجتمع بأكمله ، في قالب مضحك ومبكٍ في آن واحد .
والهجاء الكاريكاتوري لدى الشعراء العباسيين لا يقف عند حدود كونه غرضا من الأغراض الشعرية يحمل صورة بلاغية أو تنميقا أسلوبيا ، بل هو في الحقيقة صورة لموقف الشعراء من مجتمعهم ، ذلك الموقف الذي وصل فيه الشعراء جمالية الشعر بمغامرة الفكر ، مما جعل الهجاء عندهم يصبح فنا تصويريا ساخرا يعالج المجتمع وقضاياه الاجتماعية . فكأنما أرادوا أن يحلّوا محل المصلحين الاجتماعيين في أغلب هذا اللون من الهجاء .
وسيرا في هذا الاتجّاه الاجتماعي للهجاء العباسي ، نجد صورا كاريكاتورية في دواوين الشعراء تسفر عن موقف أصحابها من الأشياء وإيمانهم بالحدود والقيم ومفهوم الإنسان وغايتهم من أنفسهم ومن الحياة ، كما أنها تسفر عن وعيهم بوظيفة المجتمع ومعنى الحضارة وما إليها ، وعذابهم من الإقامة في عصر افتقد فيه معنى الكفاءة والأخلاق واغتصبت القيم
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 160
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص١٦٠