تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فرسم الشاعر لأكرم أهل زمانه في خسة صورة الكلب ، ولأبصرهم بالأمور أعمى القلب ، ولأسهدهم صورة الفهد وهو مثل في كثرة النوم ، ولأشجعهم صورة القرد وهو مثل في شدة الخوف حتى قيل إنه لا ينام إلا وفي كفه حجر . فغاية الشاعر من هذه الصور النمطية ، الشكوى من الدهر الذي لم يستوف الشاعر حظه منه ، والسخرية من أهل زمانه وهم لا يستحقون حظوظهم التي أعطاهم الدهر إيّاها . ولعلّ هذه اللوحة الساخرة التي رسمها المتنبي من الرموز النمطية التي تتمثّل في صور الحيوانات تكون أكثر مشابهة باللوحات الكاريكاتورية الحيوانية التي نراها في الحضارة الحيوانية ، لأنّها تتركب من عدة صور حيوانية . ومهما يكن من الأمر فهذه الصور النمطية التي اختارها الشعراء الكاريكاتوريون من بيئتهم أو ابتدعوها من مخيلتهم للتعبير عن كل ما في أنفسهم ، تتطلب التأويل وإدخالها في مجموعة من المعاني التي أراد الشعراء إلقاءها إلى السامع أو القارئ ، حيث من أهم خصائص الرموز ، قدرتها على توليد الشروح والتفاسير التي تصبح بدورها موضعا لشروح وتفسيرات أخرى . كما أنّ هذه الرموز النمطية تكتسب معناها من طريقة تفكير الناس وإحساسهم وثقافة عصرهم ، ولهذا نستطيع أن نقول إنّ الجانب الرمزي في الهجاء الكاريكاتوري يعتبر من أهم الجوانب الدلالية في تشكيل الرسالة الكاريكاتورية .

3 - 3 المضمون الاجتماعي للهجاء الكاريكاتوري وموضوعاته

إنّ الاتصال عصب الحياة الاجتماعية ، لذا يتعلّم الناس في الأماكن المختلفة طرق الاتصال التي تلعب دورا مهما في كيفية تفاهمهم ، متأثرين ببيئتهم ، وثقافتهم وعلاقاتهم الاجتماعية . ولعلّ من أهم هذه الطرق تعبيرا عن أفكار الناس في علاقاتهم الاجتماعية ، هي الصورة ، بصرف النظر عن المجالات التي تظهر فيها من النثر والشعر والرسم والتماثيل والأشياء . أمّا الهجاء الكاريكاتوري بمثابة أحد هذه المجالات التي تظهر فيها الصورة ، فيكشف لنا ببراعة تناقضات المجتمع العباسي مع ذاته ، ويذيب الغشاء الذي يستر هذه المناقضات ، لكي نلمس عمقها . فكان شعراؤه في هذا العصر ميالين إلى تنصيب أنفسهم لسان حال الكثير من