أخرى في قفا الطبل الذي يمثله به ، وقد ترهل وجعلت أردافه تترجّح وتتدلّى في كل وجه ، ثمّ رأيناه يمسخه مسخا فلا يعود عمرو انسانا ، بل طلل إنسان ، وربما خيل إليه انه أبقى فيه على شيء عندما شبهه بالطلل ، فأراد أن ينزع منه هذا الشيء ويحوله إلى تفعيلة باطلة تافهة . ولا نكاد ننتهي من رؤية هذه الصورة وتذوّقها حتى نشعر أن الشاعر قد سحق ضحيته سحقا .
ومثل هذه الصورة في تمثيل المهجو بالكلب قول المتنبي في هجاء كافور ، إلا أننا لا نجد في هذه الصورة تلك الموازنة والمقارنة التي رأيناها في لوحة ابن الرومي الجدلية . فيقول المتنبي :
مِن أيّة الطُّرْقِ يأتي مثلَك الكَرَمُ * أيْنَ المَحاجمُ يا كافورُ وَالجَلَمُ « 1 »
جازَ الأُلى مَلَكَتْ كَفّاكَ قَدْرَهُمُ * فَعُرّفوا بِكَ أنَّ الكَلبَ فوقَهمُ « 2 »
( 2 : 390 )
وكما نرى أنّ الشاعر يستخدم صورة الكلب لازدراء كافور وتصوير لؤمه ، إذ يصوّر الذين ملكهم تَجاوزوا قدرهم بالبطر والطغيان ، فملكه الله عليهم تحقيرا لنفوسهم ووضعا من كبريائهم بأنّ ملكهم كلب .
وفي موطن آخر من ديوانه نرى الشاعر يهجو كافوراً ويشبّهه بالكركدن الأسود لعظم جثته وقلة معناه ، فيقول :
وشِعْرٍ مَدَحْتُ بِه الكَركدَنّ * بَيْنَ القَريضِ وَبَينَ الرُّقَى « 3 »
( 406 : 2 )
أمّا هذه الصور الهجائية النمطية في ديوان المتنبي فلا تنحصر بكافور ، بل نرى الشاعر أحيانا يستخدمها لذمّ الزمان وأهله ، كقوله هذا :
أذُمُّ إلَى هَذَا الزَّمَانِ أُهَيْلَهُ * فَأعْلَمُهُم فَدْمٌ وَأحْزَمُهُمْ وَغْدُ « 4 »
وَأكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وَأبْصَرُهُمْ عَمٍ * وَأسْهَدُهُمْ فَهْدٌ وَأشْجَعُهُمْ قِرْدُ
( 383 : 1 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 6 )
هامش
( 1 ) - المحاجم : جمع محجمة وهي القارورة يحجم بها الجلد . الجلم : أحد شقي المقراض وهما جلمان .
( 2 ) - الألى : بمعنى الذين .
( 3 ) - الكركدن : حيوان عظيم الخلقة يقال إنه يحمل الفيل على قرنه . القريض : الشعر . الرقي : جمع رقية من أعمال السحر .
( 4 ) - الفدم : العيي في ثقل وقلة فهم . الوغد : الأحمق الخسيس .