ومن هذه الصور النمطية ، صورة الكلب التي استعان بها ابن الرومي لكي يرسم لعمرو صورة كاريكاتورية تختل فيها المقاييس . وتلك في قوله هذا :
وَجْهُك يا عَمرو فِيهِ طولُ * وفِي وُجُوهِ الْكِلابِ طُولُ
مَقَابِحُ الكَلْبِ فِيكَ طُراً * يَزُولُ عَنْهَا وَلا تَزُولُ
فَالكَلْبُ وَافٍ وَفِيكَ غَدرٌ * فَفيكَ عَنْ قَدْرِهِ سُفولُ
وَقَدْ يُحَامِي عَنِ المَوَاشِي * وَمَا تُحَامِي وَلا تَصُولُ
وَأنْتَ مِنْ أهْلِ بَيْتِ سُوءٍ * قِصَّتُهُم قِصَّةٌ تَطولُ
وُجُوهُهُمْ لِلْوَرَى عِظَاتٌ * لَكِنَّ أقْفَاءَهُمْ طُبُولُ
نَسْتَغْفِرُ اللهَ قَدْ فَعَلْنا * مَا يَفْعَلُ المَائِقُ الجَهُولُ
مَا إنْ سَألْنَاكَ مَا سَألْنَا * إلا كَمَا تُسألُ الطُّلُولُ
صَمْتٌ وَعَيْبٌ فَلا خِطَابٌ * وَلا كِتَابٌ ، وَلا رَسُولُ
إنْ كُنْتُ حَقاً مِنَ الندَامَى * فَمَنْ ندَامَى المُلوكِ غُولُ
بَلْ فِيكَ سُرْبٌ وَطُولُ خَطْمٍ * وَلَمْ يَزَل هَكَذا النُغُول « 1 »
مَستفْعِلُن فَاعِلٌ فَعُولُ * مُستَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ فَعُولُ
بَيْتٌ كمَعْنَاكَ ليْسَ فِيهِ * مَعنىً ، سِوَى أنَّه فُضُولُ
( 187 : 5 - 188 )
إضافة إلى ما تتسم به هذه القصيدة بإعمال الشاعر للمنطق الجدلي الكلامي الذي ساد في العصر العباسي ويبرز في التسلسل المنطقي الذي اتخذه من الصورة النمطية بالموازنة والمقابلة بين عمرو والكلب ، أنها تعتبر صورة ماسخة لعمرو ، فالشاعر يرسم وجه المهجو طويلا كالطول الذي نراه في وجه الكلب ، وبهذا يشير بصورة غيرمباشرة إلى ما في عمرو من شبه بالكلب ، أو كأنّما عمرو كلب طويل الوجه . وقد دفعه حقده على المهجو إلى المبالغة بفضائل الكلب ونقائصه ، فهو لا يكتفي بتحقيره في مقارنته بالكلب ، بل يسرف في ذلك ، حتى ينحط دونه ، ويأتي بالبينات لتحقق الصورة التي رسمها في مطلع هجاءه . ثم يرسم صورة كاريكاتورية
هامش
( 1 ) - الخطم : مقدم أنف الدابة ، يريد طول أنف . النغول : ولد الزانية لفساد نسبه .