تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
نرى ذلك في هجاء ابن الرومي لأبي حفص الوراق :
أصْبَحْتَ قِرْداً يَا أبَا حَفْصَلٍ * وَلَسْتَ أيْضاً مِنْ مَلامِح الْقُرُودْ تِلْكَ قُرُودٌ غَيْرُ مَمْسُوخَةٍ * وَأنْتَ قِرْدٌ مِنْ مَسُوخِ الْيَهُودْ
( 252 : 2 ) فلعلّ توسّل الشاعر بتلك النمطية المتجسدة في هذا الحيوان وتشبيه المهجو به ، قد يكون لإعطاء قدرة أكثر على فهم المضمون الكاريكاتوري ، خاصة أنّ الشاعر يجعل القرود تتفوق على أبي حفص في ملامحها ، لأنها غير ممسوخة ، بينما هو قرد ممسوخ يشبه مسوخ اليهود . ومثل صورة القرد ، صورة الحيوانات الأخرى التي استعان بها الشعراء الكاريكاتوريون للسخرية من مهجويهم ، كالثعلب والخنزير والذئب والكركدن ، مناسبة للصفة التي أراد الشاعر إلصاقها بالمهجو ، كقول بشار في هجاء يحيى بن صالح ، حيث يقول :
يَا أسَدَ الحَيِّ إنْ رَاحُوا بِمَأدُبَةٍ * وَثَعْلَبَ الْحَيِّ إنْ ضافُوا لأعْدَاءِ
( 64 : 1 ) لقد عمد الشاعر في رسم صورتي الأسد والثعلب للمهجو إلى نفي صفة الشجاعة عنه ونسبة صفة الحرص والمراوغة إليه ، والصورة هذه قائمة على الإيحاء بالسخرية والهجاء ، حيث رسم بشار للمهجو صورة الأسد الذي يسير في المقدّمة إذا دعي القوم إلى مأدبة ، وصورة الثعلب الذي يتمايل ويراوغ إن مشوا للقتال . فيمكننا أن نستشف من المقابلة بين هاتين الصورتين ، ذلك المعنى الساخر الذي أراد الشاعر إلقاءه على المتلقي من خلال رسم الصورة الرمزية . وكتلك الصورة التي رسمها لأهل زمانه ، منقسمين بين خنزير وكلب للحراسة ، فيقول :
وَأخٍ ذِي نِيْقَةٍ يَسْألُنِي * عَنْ خَلِيطَيَّ ، وَلَيْسُوا بِسِوا « 1 » قُلْتُ : خِنْزِيرٌ وَكَلْبٌ حَارِسٌ * ذَاكَ كَالنَّاسِ وَهَذَا ذُو ندَا
( 79 : 1 ) وكقوله حين جمع بين الخنزير والكلب والقرد ، ليهجو الباهلي وبني زيد :
تَبَارَكَ مَنْ ألْقَيْتُ وَجْهِي لِوَجْهِهِ * وَمَنْ خَلَقَ الخِنْزيرَ وَالكَلْبَ وَالْقِرْدَا
( 149 : 2 )
هامش
( 1 ) - النيقة : من التأنق ، يقال : تنيق أو تأنق أو تنوق في الأمر : إذا تجود وتبالغ .