تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وتذكرنا قول المتنبي في هجاء ابن كيغلغ :
مازلتُ أعْرِفُهُ قِرْداً بِلا ذَنَبٍ * خِلْواً مِن البَأسِ مَملوءاً مِن النَّزقِ « 1 » تَسْتَغرقُ الكَفُّ فَوْديهِ ومَنكِبَهُ * فَتكْتَسي منهُ ريحَ الجَوْرَبِ العَرِقِ « 2 »
( 438 : 1 ) فيمسخه الشاعر شبيها بالقرد في شكله ، ولكنه بلا ذنب ، ويؤكد أنّه صفر من الشجاعة ، وكله طيش ونزق . ثم يرسمه صغير الرأس ، قصير العنق ، حتى لكأن أكف الصافعين تستغرق فوديه ومنكبيه جميعاً ، وتعود الكف بعد ذلك بريح نتنة خبيثة هي ريح جسده الكريه ، أقرب ما تكون إلى ريح جورب عرق قد ملأ المكان فسادا ونتنا . ومثل ذلك قوله :
وَكُنْتُ مِنَ النَّاسِ فِي مَحْفِلٍ * فَهَا أنَا فِي مَحْفِلٍ مِنْ قُرُودِ
( 163 : 1 ) فهذه الصور الكاريكاتورية المعروضة بأشكال حيوانية تذكرنا بما ظهر من الكاريكاتور بمصر منذ بعث الحضارة الفرعونية في أشكال منقوشة على الصخور والجدران في شكل لوحات طويلة تحوي بداخلها شخصيات حيوانية في أغلبها وهي « كاريكاتورات أقل ما يقال عنها أنها كانت ثائرة أنجزت بذكاء دقيق وبتعليم فني وعلمي » ( بورغارد 60 ) . وميزة هذه الرسومات أنها « أشكال حيوانية إما كبيرة أو صغيرة ، قبيحة أو ظريفة تعبر عن مظاهر وسلوكات تطابق الدور الذي يؤديه أهل السلوكات المرغوب تشكيله » ( نفس المصدر 80 ) . وما يلاحظ في هذه الكاريكاتورات ، أنها غنية بتعدد الشخصيات المقنعة بأشكال حيوانية لغرض الإشارة أو الإدلال عن المجرمين ، أصحاب القضايا دون الإشارة إلى أسمائهم ، لقد كانت مائلة للثأر عن سوء استعمال السلطة وتعسفاتها ، كانت معادية لكل نظام حاكم ذي مصالح خاصة ( انظر : نفس المصدر 14 - 15 ) . إلا أنّ الصور الحيوانية التي رسمت في الهجاء الكاريكاتوري العباسي فلايستمدّها الشاعر لعدم التصريح باسم المهجو ، بل جاء بها لتشويهه ولإكمال رسمه الكاريكاتوري ، حيث إنّ الشاعر في بعض الأحايين يصرّح باسم المهجو ، كما
هامش
( 1 ) - الخلو : الخالي . النزق : الخفة والطيش . ( 2 ) - الفودان : جانبا الرأس .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 155 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي