المفهوم المعنوي ، أو التّصور الذهني الذي يمثله أو يوحيه الدال ولا يستبعد الإحالة إلى مفاهيم مجردة أو هويات متخيّلة ( انظر : شاكر ، عصر الصورة 217 ) . انطلاقا من هذه التعابير نستطيع أن نقول إنّ الدال في الهجاء الكاريكاتوري يظهر في الصور والرسوم التي يرسمها الشاعر بالكلمات للمهجو ، والمدلول هو المفهوم أو الفكرة أو التصوّر الذي تشير إليه هذه الرسوم والصور . ولعلّ من أهم هذه الدلائل الرمزية في الهجاء الكاريكاتوري شكل حيوان معيّن وموصوف ببعض الصفات والمميزات المطلوبة لقصد الشاعر الذي يتوسّل بهذا الحيوان في التعبير عن انفعالاته وأحاسيسه نحو كلّ ما يهزّ مشاعره من أفكار ومظاهر وما شابهها . فتعتبر هذه الأشكال والصور الحيوانية رموزا نمطية يستخدمها الشاعر لإرساء المعنى الذي تأتي من أجله الرسالة الكاريكاتورية .
أمّا هذه الرموز النمطية فحملها المجتمع الذي عاش فيه الشاعر الكاريكاتوري وتتجلى في الأغراض المختلفة الشعرية بما أضفى عليها المجتمع من طابع معين انطلق من مفاهيم ثقافية شائعة في العصر العباسي . إلا أنّ نصيب الهجاء الكاريكاتوري من هذه النمطيات كان أكثر بكثير من الأغراض الشعرية الأخرى ، ولاسيّما في الصور الهجائية التي نرى فيها تشبيه المهجو بحيوان من الحيوانات . كتلك الصور التي ظهرت فيها صورة القرد لما تتميز به من القبح والتشويه فضلا عن مميزاته الحيوانية الخاصة . فكان أكثرهم يتوسلون بهذه الصورة النمطية للتقليل من شأن مهجويهم . كما نجد محاولة بشار بن برد إلى ترميز أفكاره الهجائية الساخرة باستخدام صورة هذا الحيوان في هجاء سهيل بن سالم وحماد عجرد اللذين لو شاء الله لمسخهما قردين يشرف عليهما ويلاعبهما قراد خاص بهما ، فيقول :
سُبْحَانَكَ اللهُ لَوْ شِئْتَ امْتَسَخْتَهُمَا * قِرْدَيْنِ فَاعْتَلَجَا فِي بَيْتِ قَرَّادِ « 1 »
( 230 : 2 )
ولعلّ هذه الصورة الحيوانية في هجاء بشار تذكّرنا بهجاء ابن الرومي لأبي يوسف الدقاق ، عندما يمسخه وإخوته ، مسخا يشبه القرود ويقول :
ألَمْ يَلْحَقْكَ أوْشَكَ مَا لَحَاقٍ * بِإخْوَتِكَ الْمَسُوخُ مِنَ القُرُودِ
( 239 : 2 )
هامش
( 1 ) - القرّاد : الذي يلاعب القردة .