تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وَلَوْلا اسْتِحَاؤُكَ خَضَّبْتُهَا * وعَلَّقْتُ فِي جِيدِهَا جُلْجُلا « 1 » فَجَاءَتْكَ حَتَّى تَرَى حَالَهَا * فَتَعْلَمُ أنّي بِهَا مُبْتَلَى سَألْتُكَ لَحْماً لِصِبْيَانِنَا * فَقَدْ زِدْتَنِي فِيهِمُ عَيَّلا « 2 » فَخُذْهَا ، وَأنْتَ بِنَا مُحْسِنٌ * وَمازِلْتَ بِي مُحْسِناً مُجْمَلا
( 467 : 2 - 470 ) فنرى أنّ بعض هذه الأبيات تغلب عليها الصورة الكاريكاتورية التي يبدو فيها بشار متلهيا مقهقها ، كصورة الأضحية العجوز الهزيلة التي أكلت نبات الحنظل المرّ فأسهلت ، وصورة وركها الذي يشبه حجارة وعرقوبها الذي يشبه المغزل ، وصورة عصعصها حين قلّب أليتها فهو كمنجل الحصاد . ولاسيّما ما رسم الشاعر من صفة تلك الشاة وتعليق الجرس في عنقها لكي يعرف جميع الناس ما أصاب به بشار . فهذه الصور المتحرّكة المركبة التي تشبه الكارتون أضفت على شعر بشار حسّ الحركة والحيوية التي تثير عواطف القارئ أو السامع وتحيل المادّة الشعرية إلى صورة لا يمكننا معها الوقوف على الحياد . أمّا وقوفنا على الصور الكاريكاتورية التي رسمها الشعراء العباسيون للبخل ، واقتصار دراستنا على الجوانب المعنوية عليه ، فلا يعني أننا لا نجد في أهاجيهم تصويرا كاريكاتوريا للعيوب المعنوية الأخرى ، بل هناك بعض اللوحات الساخرة التي تعرّض الشعراء من خلالها لهذه العاهات الخُلقية وبرعوا في ريشتهم الهزلية لرسمها . منها ما روي عن بشاربن برد ، إذ دخل عليه رجل غريب فسأله عن منزل رجل ذكره له ، فجعل بشار يصفه له ، ويفهمه فلا يفهم ، فأخذ بشار بيده إلى أن بلغ منزل الرجل وهو يقول :
أعْمَى يَقُودُ بَصِيراً ، لا أبَا لَكُمُ * قَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَتِ العُمْيانُ تَهْدِيه
( 554 : 2 ) فلما وصل به إلى منزل الرجل ، قال له : هذا منزله يا أعمى . ومثل هذه الصور للعيوب المعنوية ، أيضا نراها عند الشعراء الآخرين ، كالصورة التي رسمها
هامش
( 1 ) - الجلجل : ناقوس صغير يوضع في رقاب الضأن والإبل والبقر ليسمع صوته إذا مشت ، فيتبعها راعيها . ( 2 ) - العيَّل : جمع العائل وهو الذي يعيل بعياله مأكلًا ومشرباً ومسكناً .