تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
ولكنهم غضبوا لأصحاب الجاه والثراء على أنهم منعوا أموالهم عن الشعراء المادحين ، أو أعطوهم قليلا لا يرضيهم . ولعل سبب هذا الهجاء هو الحرمان والخيبة . ومن الطبيعي أن نرى في الدواوين الشعرية في هذا العصر ، بعض الصور الكاريكاتورية لهذه الجوائز والعطايا ، لعل الشعراء سعوا إلى مشاركتها في كشف بخل أصحابها . أو نرى صورا هجائية ساخرة للذين سدّوا على الشعراء الأبواب ، وحبسوا عنهم العطايا وحرموهم من الجوائز أو قصروا في عطاياهم ؛ فأصابوهم بهذا اللون من الهجاء وتناولوهم بأفظع الصفات ، إلا أنّ هذا اللون من الهجاء في غالبيته مصتنع متكلف ذو غرض خاص ، لا يصف حقيقة الناس ، ولا يجعل الشعر في مستوى الصدق كما كان في بعض الهجاء الجاهلي والإسلامي . ولكننا لسنا بصدد إثبات صدق شعراء الهجاء أم كذبهم ، بل نتبين الأساليب التي طرقها الشعراء الهجّاؤون ولا غير ، ومن أجمل هذه الأساليب ، الأسلوب الكاريكاتوري الذي سلكه الشعراء في تصوير العطيات التي لم تكن ذات قيمة ولم ترضهم . فلعلّ أجمل صورة كاريكاتورية في هذا القسم ما رسمه الشاعر الحمدوني « 1 » لطيلسان أخضر أنعمه أحمد بن حرب ولم يرضه ، فقال :
يابنَ حَرْبٍ كَسَوتَني طَيْلَساناً * مَلَّ مِن صُحْبَةِ الزمانِ وَصَدَّا إنْ تَنَفَّسْتُ فيه يَنْشَقُّ شَقَّا * أو تَنَحْنَحْتُ فيه يَنقدُّ قَدَّا طالَ تَرْداده إلى الرَّفْو حَتى * لَو بَعَثْنَاه وَحْدَه لَتَهَدَّى
( الحصري 550 : 1 ) فأي صورة كاريكاتورية تحملنا على الضحك كهذه الصورة التي يلجأ الشاعر فيها إلى المبالغة والتشخيص ، ويرسم صورة ساخرة لطيلسان بال . ذلك الطيلسان الذي يعرف الطريق إلى من يرفوه لكثرة ذهابه للرفو . وهذه الصورة تذكرنا بما رسمه ابن الرومي من اللوحة الساخرة في هذا المجال ، حيث قال على مذهب الحمدوني :
يَابْنَ حَرْبٍ كَسَوْتَنِي طَيْلَسَاناً * يَتَجَنَّى عَلَى الرِّيَاحِ الذُّنُوبا « 2 »
هامش
( 1 ) - الحمدوني : هو إسماعيل بن إبراهيم ، أبو علي الحمدوني ، شاعر متهكم ساخر ، اشتهر بكثرة ما قاله في طيلسان ابن حرب ، توفي سنة 260 ه - . ( 2 ) - الطيلسان : ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف أو يحيط بالبدن ليس به تفصيل أو خياطة .