تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
( الأصفهاني 343 : 14 ) والكثير من هذه الأمثلة الشعرية التي كلها تتحدث عن البخل ، وتحاول أن تبرز هذه الصفة بشكل يبعث على الاحتقار والازدراء من المهجو ، بيد أنّ القيمة الهجائية فيها تختلف مقارنة بتلك التي جاء بها الشعراء الكاريكاتوريون وخاصة ابن الرومي ، حيث أثار في نفس المهجو حالة حسية ، وصوره بأنّه بخيل إلى درجة قصوى ، لو استطاع أن يتنفس من منخر واحد ، لفعل . فلم يقتصر الشاعر على التشويه المعنوي ليأتي بالكنايات التي تصوّر ذلك ، مثل ما رأيناها في الأمثلة السابقة الذكر ، بل يرصد ملامح التشويه الجسدي والمعنوي في آن واحد على نحو كاريكاتوري ساخر ، ويقوم على تشويه المهجو في جسده ونفسيته ، كهذه الصورة التي يرسمها لصاحب بيت فارغ في موطن آخر من ديوانه :
أطْلَقَ الجِرْذَانَ بِاللَّيْلِ * وَصَحْ : « هَلْ مِنْ مُبَارزْ ؟ »
( 240 : 3 ) لقد رسم ابن الرومي في هذا الهجاء صورة هزلية تعبر عن الطريقة التي يسلكها في رسم المشاهد ، وعن براعته في دقة المراقبة وإثبات الحركة ، وبعث الصور البعيدة الإيحاء ، وقد أفضت به دقة التصوير إلى تمثيل البخل في أتم أشكالها ، حتى كأنها تنطق بنفسها عن معايبها . والكاريكاتورية هنا تتجلى في الصورة التي تقع في ذهن السامع ، إذ يتصور الجرذان وهي تركض على الأرض ، وتتهافت بعضها على بعض ، فيناديها صاحب هذا البيت لتبارزه ، وذلك ما لا يحصل . وهذا معنى جديد أتى به ابن الرومي وهو شبيه بالصور المتحركة المشهورة اليوم بالكارتون . ومن الصور الكاريكاتورية اللافته للنظر عند ابن الرومي في موضوع البخل ، قوله في ابن جراشة :
إنَّ كَفَّيْكَ لَقُفْلٌ * مُحْكَمٌ يَا ابْنَ جَرَاشَهْ فَعَمُودُ الْقُفْلِ يُمْنَا * كَ وَيُسْرَاكَ الْفَرَاشَهْ لَيْسَ يَنْجُو الْفَلْسَ مِنْ كَفْ - * - فَيْكَ إلا بِالْحُشَاشَهْ
( 337 : 3 - 338 ) ولا بأس بنا أن نذكر أن بعض الشعراء العباسيين لم يغضبوا للبخلاء على أنهم بخلاء ،