الكاريكاتوري ، كما فعل ابن الرومي مثلا . فهذه الصفة - صفة البخل - وردت في شعر النقائض ، لكنها تقوم على المواقف الأخلاقية للحطّ من منزلة المهجو ، فلا نجد فيها نزعة كاريكاتورية يقف فيها الشعراء عند نواحي الضعف ، فيكبرونها ويظهرونها في أضخم صورة تثير الضحك والإشفاق ؛ وإن كنّا لا نستطيع أن نغمض عيوننا عن بعض هذه الأشعار الهجائية التي تتميّز بشيء من السخرية والمبالغة التي استمدّها الشاعر من صميم الحياة . مثلما نراه في قول المرزباني في الموشح ، إنّ « الفرزدق والأخطل تذاكرا جريرا ، فقال له الأخطل : والله إنّك وإياي لأشعر منه ، غير أنّه أعطى من سيرورة الشعر شيئا ما أعطيه أحد ، لقد قلت بيتا ما أعرف في الدنيا أهجى منه :
قَوْمٌ إذَا اسْتَنْبَحَ الأضْيَافَ كَلْبُهُمُ * قَالُوا لأمِّهِمُ بُولِي عَلَى النَّارِ
فَتمَسّك البُولَ بُخْلًا لا تجَوُدُ بِهِ * وَلا تَبُولُ لَهُمْ إلا بِمِقْدَارِ
وَالخُبْزُ كَالْعَنْبَرِ الْوَرْدِيِّ عِنْدَهُمُ * وَالقَمْحُ سَبْعُونَ إرْدَاباً بِدِينَارِ »
( انظر : المرزباني 173 )
وفي بعض الأحيان كان الشعراء يصفون مهجوهم بالبخل في المقارنة مع شخص متصف بالجود ، كما يقول الربيعة الرقي :
لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ اليَزِيْدَيْنِ فِي النَّدَى * يَزيْدُ سُلْيمٍ وَالَأغَرِّ بْنِ حَاتِمِ
فَهَمُّ الْفَتَى الأَزْدِيِّ إتْلافُ مَالِهِ * وَهَمُّ الْفَتَى القِيْسِيِّ جَمْعُ الدَّرَاهِمِ
( سراج الدين 43 )
أو يقول شاعر آخر :
يَحْتَاجُ رَاجِي نَوَالِهم أبَداً * إلَى ثَلاثٍ بِغَيْرِ تَكْذِيبِ
كُنُوزُ قارونَ أنْ تَكُوَن لَهُ * وَعُمْرُ نُوْحٍ وَصَبْرُ أيُّوبِ
( الثعالبي 42 )
وحتى عند بعض الشعراء العباسيين مثل حماد عجرد نجد صفة البخل في هجاء ، كما قال :
زُرْتُ امْرَءًا فِي بَيْتِهِ مَرَّةً * لَهُ حَيَاءٌ وَلَهُ خَيْرُ
يَكْرَهُ أنْ يَتْخَمَ أضْيَافُهُ * إنَّ أذَى التُخْمَةِ مَعْذُورُ
وَيَشْتَهِي أنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَهُ * بِالصَّوْمِ وَالصَّائِمُ مَأجُورُ