وَإذَا مَرَرْتَ بِبَابِهِ * فاحفَظْ رَغيفَكَ مِنْ غُلامِهْ
( 215 )
فصور الشاعر بخل المهجو في ومضات متعددة ، تتمثّل في روعة المهجو في المنام من نزول الضيف ، والمشابهة بين كسر الرغيف عنده وكسر عظامه ، وعدم الحديث معه ما دمت ترغب في مؤاكلته ، والحذر عند المرور أمام بيته ، لأنّ غلامه سوف يخطف ما معك من طعام ، بسبب جوعه .
فبالنظر إلى هذه النماذج الكاريكاتورية في ديوان دعبل ، نرى أن نقل المبنى السكوني إلى المبني الحركي يعتبر من أهم الميزات التي قد أكدّ عليه دعبل ليعطي صوره الشعرية ، الشحنة الكاريكاتورية . ولعلّ هذه الميزة هي التي تجعل لوحاته تقترب إلى لوحات أبي نواس من جانب ولوحات ابن الرومي من جانب آخر .
أمّا ابن الرومي فلعلّ ما رسمه من الصور الكاريكاتورية الشعرية للبخل ، لخير دليل على براعة الشعراء العباسيين في رسم العيوب الخُلقية ، مثل تلك الصورة الفنية الجميلة التي رسمها لبخل عيسى بن موسى بن المتوكل . فيقول :
يُقَتِّرُ عِيْسَى عَلَى نَفْسِهِ * وَلَيْسَ بِبَاقٍ وَلا خَالِدِ
فَلَوْ يَسْتَطِيعُ لِتَقْتيرِهِ * تَنَفَّسَ مِنْ مِنْخَرٍ وَاحِدٍ
( 160 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 5 )
وفالشاعر يسعى إلى مسخ شخصية المهجو وتجريدها من صفة الجود والكرم ، خلال تصويره الكاريكاتوري الرائع لشحه وإمساكه ، ويجعل المفارقة في تقتير المهجو بالتنفّس على نفسه ، بينما أنّ التنفّس لا يُدفع له الثمن ولا يؤدي إلى الفقر ، ومع هذا أنّ المهجو لا يجود بالهواء حين يرسله ، ولو استطاع أن يتنفس من منخر واحد ، لَفعل .
فكما نرى أنّ هذه التصاوير الفنية الساخرة في هجاء البخل ظهر كمظهر جديد بارز في شعر الشعراء العباسيين ، ولا سيما في شعر أبي نواس ودعبل ثمّ ابن الرومي الذي تربع على ذروة الفن الكاريكاتوري ، ولو ولّينا وجوهنا نحو القصيدة الجاهلية أو الأموية ، نرى أيضا أنّ صفة البخل تناولها معظم الشعراء ، ولكن من الجانب المتعلق بالفعل الناجم عن هذه الصفة أي من الناحية الخُلقية ولم يتناولوها في علاقتها بالجانب التصويري وبالشكل