ديوانه ، حيث يقول :
وَإنَّ لَهُ لَطبَّاخاً وَخُبْزاً * وَأنواعَ الفَوَاكهِ والشَّرابِ
وَلَكِنْ دُونَهُ حَبسٌ وَضَرْبٌ * وَأبْوَابٌ تُطابَقُ دُونَ بَابِ
يَذودُونَ الذُّبابَ يمرُّ عنهُ * كأمْثالِ المَلائِكَةِ الغِضابِ
( 196 )
ففي هذه الصورة أيضا ، صوّر الشاعر المكان الذي يحفظ فيه الطعام بالحبس المحصن ، والطباخين الذين يحرسون الطعام كالملائكة ، فيمنعون حتى الذباب من الدخول ، مع كثرة المطبوخ والفواكه والشراب الذي لا تنقصه الضيافة ؛ لكن البخل قد سدّ سبيل الضيوف ، وهذا المهجو البخيل هو من يكرم ضيوفه بالحبس والضرب وإغلاق الأبواب .
ومثل هذه اللوحة ، ما وجدناه في قوله هذا :
أتُقْفِلُ مَطْبَخاً لا شَيْءَ فيهِ * مِنَ الدُّنْيَا يُخَافُ عَلَيْهِ أكْلُ
فَهَذَا الْمَطْبَخُ استَوْثَقْتَ مِنْهُ * فَمَا بَالُ الكَنيفِ عَلَيْهِ قُفْلُ « 1 »
وَلَكِنْ قَدْ بَخِلْتَ بِكُلِّ شَيْءٍ * فَحتَّى السَّلْحُ مِنْكَ عَلَيْهِ بُخْلُ
( 150 )
فيصوّر الشاعر مهجوه في صورة من يقفل مطبخه فلا يطعم ضيفا ، ويسدّ الكنيف لشدة بخله ، بل يخاف حتى السلح . فصورته الشعرية في هذا المشهد ، تتّسم كصوره الآخرى للمهجو البخيل بدقة التصوير وبراعة السخرية .
ونرى في بعض الصور الشعرية الساخرة لدى دعبل ، أنّ المفارقة التي تثير الضحك والازدراء تكمن في وجود العلاقات بين الأشياء المختلفة والمتباعدة . مثل ما نجده في هذا المشهد وفي قوله هذا :
المَوْتُ أيْسَرُ عِنْدَهُ * مِن مَضْغِ ضَيْف وَالْتِقَامِهْ
وَتَرَاهُ مِنْ خَوْفِ النَّزِي - * - لِ بِهِ يُروَّعُ فِي مَنَامِهْ
سِيَّانِ كَسْرُ رَغِيفِهِ * أوْ كَسْرُ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهْ
لا تَكْسرَنَّ رَغِيفَهُ * إن كُنْتَ تَرْغَبُ فِي كَلامِهْ
هامش
( 1 ) - الكنيف : المرحاض .