تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
بخل مهجوه ، كتلك الصورة التي يرسمها لقِدر الرقاشي ، حيث يضرب بها المثل في كل شيء ، إلا في مسّها النار . ثمّ يصوّر القدر في صورة الإنسان ، عندما تشكو إلى قدور الجيران أنّها لم يمسّها ماء للطبخ منذ عامٍ . فيقول :
قِدْرُ الرَّقَاشيِّ مَضْرُوبٌ بِهَا الْمَثَلُ * فِي كُلِّ شَيْءٍ خَلا النِّيرانَ تُبْتَذَلُ تَشْكُو إلَى قِدْرِ جَارَاتٍ إذَا التَقيَا * اليَوْمَ لِي سَنَة مَا مَسَّني بَلَلُ
( 399 ) أمّا دعبل فله إسهام كبير في ملاحقة البخلاء والتربص بحركاتهم ، والدخول إلى نفوسهم لاستكشاف مكنوناتها فيزيدهم قبحا ، عندما يعمد إلى الرسم الكاريكاتوري في تصوير بخلهم ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 7 ) . ومنه هذا المشهد الذي يقول فيه :
إنَّ هَذَا الْفَتَى يَصُونُ رَغِيفاً * مَا إلَيْهِ لِنَاظِرٍ مِنْ سَبِيلِ هُوَ فِي سُفْرتَيْن مِن أدَمِ الطّا * ئِفِ ، فِي سَلَّتَيْنِ فِي مَنْدِيلِ خُتِمَتْ كُلُّ سَلَّةٍ بِرَصَاصٍ * وَسُيُورٍ قُددْنَ مِنْ جِلْدِ فِيلِ فِي جِرابٍ فِي جَوفِ تَابُوتِ مُوسَى * وَالمَفَاتِيحُ عِنْدَ مِيكَائِيلِ
( 156 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 4 ) فيعلم الشاعر بأنّ الصورة الكاريكاتورية تبني على المفارقة والتناقض ، وهذه المفارقة هي التي تشكل بنية التأثير وإثارة الضحك ، فلابدّ عليه أن يلقى الضوء على هذه المفارقة التي نلاحظها في تصوير مكان مثير للسخرية ، فيصوّره بعيدا عن نظرة العيون بحال من الأحوال ، ويختار وعاءين من أدم الطائف لوضع الرغيف فيهما ثم يجعلهما في سلتين ، ثم في منديل ، ويختم كلّ سلة بحديد ، ولكي يتأكّد من إغلاقها يربطها بمشدّ مصنوع من جلد الفيل ، ثمّ يضعها في جراب يحميها ، وأخيرا يلقيها في جوف تابوت ، واختار الشاعر أن يكون هذا التابوت هو تابوت موسى عليه السلام ، المحفوظ بعناية إلهية ، وجعل مفاتيحه عند الملك ميكائيل عليه السلام ، فلهذا كله ليس من المعقول أن تصل إليه عين بشر . وطبعا مثل هذا التصوير بهذه المبالغة والتركيز والسخرية يحمل كل ما نتوقعه من مواصفات فن الكاريكاتور الشعري . ولعلّ تصوير المكان الذي يحفظ فيه الطعام ، يعتبر من أهم المفارقات التي يركز عليها دعبل في رسم لوحاته الكاريكاتورية للبخل ، مثل هذا التصوير الذي يظهر في موضع آخر من