إذَا فَقَدَ الرَغِيفَ بَكَى عَلَيْهِ * بُكَا الْخَنْسَاءِ إذْ فُجِعَتْ بِصَخْرِ
وَدُونَ رَغِيفِهِ قَلْعُ الثَنَايَا * وَحَرْبٌ ، مِثْلُ وَقْعَةِ يَوْمِ بَدْرِ
( 401 )
يرسم الشاعر للرغيف صورة امرأة مدلّلة ، فله قرطٌ وشنف وخلخالان ، ودلاله هذا يجعله في مأمن من الأكل ، إذ يصعب على صاحبه تركه ، ويبكي على فقده كبكاء الخنساء على أخيها صخر .
ويقول في موطن آخر في هجاء سعيد بن مسلم المشهور ببخله :
رَغِيفُ سَعِيد عِنْدَهُ عِدْلُ نَفْسِهِ * يُقَلِّبُهُ طَوْراً وَطَوْراً يُلاعِبُهْ
وَيُخْرِجُهُ مِنْ كُمِّهِ فَيَشُمُّهُ * وَيُجْلِسُهُ فِي حِجْرِه ، وَيُخَاطِبُهْ
وإنْ جَاءَهُ الْمِسْكِينُ يَطْلُبُ فَضْلَهُ * فَقَدْ ثَكِلَتْه أمُهُ وَأقَارِبُهْ
يُكِرُّ عَلَيْهِ السَّوْطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * وَتُكْسَر رِجْلاهُ ، وَيُنْتَف شَارِبُهْ
( 403 )
فقَصْدُ الشاعر من رسم هذه اللوحة المتحركة ، الإشارة إلى حرص المهجو البخيل على رغيفه وتردده في أكله ، إذ هو يعادل نفسه . إلا أنّ أبانواس لا يشير إلى هذا الحرص والبخل مباشرة ، ولكنّه يصوّره في مشهد كاريكاتوري ساخر ، يشارك الرغيف فيه ، فيرسم المهجو وهو يقلّبه ويلاعبه ، ويخرجه من الكمّ ويشمّه ، ويجلسه في حجره ويتحدّث معه . وإذا اقترب منه مَن يطلب فضله ، فيعذّبه البخيل بأبشع أنواع التعذيب .
ومن هجائه الكاريكاتوري ، قوله في بخل الرقاشيين داعيا عليهم بالموت جوعا ، لأن الجوع هو السبيل الوحيد إلى موتهم :
أمَاتَ اللهُ مِنْ جوعٍ رِقَاشاً * فَلَولا الجوعُ مَا مَاتَتْ رِقَاشُ
وَلَو أشْمَمْتَ مَوتَاهُمْ رَغِيفاً * وَقَدْ سَكَنُوا القُبُورَ إذاً لَعَاشُوا
( 398 )
وهذه الصورة المضحكة تهين الرقاشيين وتجعلهم لشدة بخلهم يموتون من الجوع . ثم يتناول موتاهم بالتصوير الكاريكاتوري المتحرك ، حيث يقول : لو أنهم شموا الرغيف بعد موتهم لعادت إليهم الحياة ثانية .
وفي بعض الأحيان يشارك الشاعر أدوات الطبخ في خلق صور طريفة تثير السخرية من