ألطَفَ الصَّنْعَةَ حَتَّى * لا تَرَى مغْرزَ إشْفى « 1 »
مِثْلَمَا جَاءَ مِنَ التَنُّو * رِ مَا غَادَرَ حَرْفا
وَلَهُ فِي الْمَاءِ أيْضاً * عَمَلٌ أبْدَعَ ظَرْفا
مَزْجُهُ العَذْبَ بِمَاءِ ال - * - بِئْرِ كَيْ يَزْدَادَ ضِعْفا
فَهْوَ لا يَسْقِيكَ مِنْهُ * مِثْلَمَا يَشْرَبُ صِرْفا »
( أبو نواس في تاريخه وشعره ومباذله وعبثه ومجونه 113 ) و ( 389 )
فلا شكّ أنّ الشاعر قد بالغ في رسم هذه اللوحة الساخرة ، حيث جعل الخبز مبالغة في يد صناع أظهرت براعتها في اصلاح هذا الرغيف دون أن يظهر أثر لغرز الإبرة ، فجعله صحيحا سالما ، كأنّ يدا لم تمسّه . ثم رسم تصويرا جديدا يدلّ على بخل المهجو أكثر ممّا صوّره فيما قبل ، فهو لا يسقى ضيفه الماء العذب الخالص ، بل يقدّمه مخلوطا بماء البئر ، بينما يخص نفسه بماء أعذب . فخلق الشاعر في هذا الرسم الكاريكاتوري صورا مغايرة للواقع ومخالفة لما نظن ، إذ عرف أنّه لو ترك لنا الصورة كما نتوقع وكما نريد ، لما فعل شيئا ، ولما أثر في ذواتنا التأثير المطلوب ، استعان بالمبالغة لكي يجعل الأمر غير المعقول أمرا واقعا .
ولعلّ مشاركة الخبز في إثبات بخل صاحبه تعتبر من أهم ميزات اللوحات التي رسمها أبو نواس للدلالة على بخل المهجو ، وهذا ما رأيناه في الأبيات الماضية ، كما نجده في لوحته هذه ، حيث يرسم للرغيف صورة إنسان يشارك صاحبه البخيل بإيذاء من يأكله . فيقول :
أصْبَحْتُ أجوَعَ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمُ * وَأفْزَعَ الناسِ مِنْ خُبزٍ إذا وُضِعا
خُبْزُ المفَضَّلِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ : ألا * لا بَارَكَ اللهُ فِي ضَيْفٍ إذا شبِعَا
إنّي أُحَذِّرُكُمْ مِنْ خُبْزِ صَاحِبِنَا * فَقَدْ تَرَونَ بِحَلْقِي الْيَومَ مَا صَنَعَا
( 401 )
ومثل هذا التشخيص الذي يلجأ إليه الشاعر في رسم صورة الرغيف لكي يعطيها البعد الكاريكاتوري ، نراه أيضاً في قوله هذا ، فيقول :
فَتىً لِرَغِيفِهِ قُرْط وَشَنْفٌ * وَخَلْخَالانِ مِنْ خَرَز وشَذْرِ « 2 »
هامش
( 1 ) - إشفى : المثقب .
( 2 ) - الشنف : القرط الأعلى . الخرز : الجوهر . الشذر : قطع من الذهب تلقط من معدنه بلا إذابة أو خرز يفصل بها النظم أو اللؤلؤ الصغار .