فَلَمَّا أنْ حَلَفْتُ لَه * بِأنِّي صَائمٌ ضَحِكا
( 404 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 3 )
فقراءة هذه الأبيات تجعلنا أمام لوحة كاريكاتورية كبيرة ، لم يصرح فيها الشاعر بمذمة البخل ، بل رسم صورا متحركة للمهجو البخيل ، حيث يحزن ويناغي طعامه كأنّه طفل مدلل ، ثم حوّل هذا التعبير الدارمي إلى التقطيب الظاهر على وجهه ، وتنكيس رأسه ، ثمّ البكاء فور مشاهدته لشخص قادم نحوه قد يشاركه الطعام ، وقد أدرك هذا الشخص المأساة غير المقصودة التي أحدثها ظهوره المفاجيء في هذه اللحظة الدرامية الحاسمة ، فبادر مباشرة إلى القسم وتذكيره بحرمة الطعام على الصائم ، ليؤكد له بمواثيق السماء عدم التفكير في مشاركته هذه الوليمة ، فعاد وجه البخيل ليبتسم مرة أخرى في ختام المشهد ابتسامة مكللة بعار البخل . فكما نرى أنّ الشاعر في هذا المشهد المسرحي لم يجعل البؤرة الكاريكاتورية في بيت أو في صورة واحدة ، بل جعل الشحنة الكاريكاتورية متصاعدة ، تصل إلى الذروة التي لا يتوقعها القارئ أو السامع ، ثمّ تنزل بالحلّ في البيت الأخير ، كما نجده في القصص المسرحية .
وهناك رواية تشير إلى براعة الشاعر في خلق الصور الكاريكاتورية الشعرية من الأحداث اليومية ، وتعبّر عن طبعه الساخر في تحويل نزعته الانتقامية إلى عبقرية شعرية ساخرة . فذكرها ابن منظور هكذا « قال الحسن بن محمد : ضُربت لإسماعيل بن أبي سهل بني نيبخت طارقة « 1 » في صحن داره ، فأصطحبنا أربعين يوما ، ومعنا أبو نواس ، ما شقّ إسماعيل له رغيفا لتغيير الفم ، فقال أبو نواس بعد ذلك :
خُبْزُ إسْمَاعِيلَ كَالْوَشْ - * يِ إذَا مَا انْشَقَّ يُرْفَا
عَجَباً مِنْ أثَرِ الصَّنْ * - عَةِ فِيهِ كَيْفَ يَخْفَى
إنَّ رَفَّاءَكَ هَذَا * ألْطَفُ الأُمَّةِ كَفَّا
فَإذَا قَابَلَ بِالنِّصْ - * - فِ مِنَ الجَرْدَقِ نِصْفَا « 2 »
يُلْصِقُ النِّصْفَ بِنِصْفٍ * فَإذا قَدْ صَارَ ألفَا
هامش
( 1 ) - الطارقة : بيت من خشب ونحوه كالقبة .
( 2 ) - الجَرْدق : ( بالفتح ) الرغيف فارسي معرب .