تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الشعور بين القارئ والشاعر ، وهي من أكبر العناصر التي تقوم عليها المتعة الفنية . وقد سجّلت دواوين الشعراء العباسيين صورا فنية مليئة بالدعابة والسخرية في لوحات تعرّضوا فيها لألوان العاهات المعنوية والعيوب الخُلقية بالشعر الذي يجرى على كل لسان . فنستشفّ منها مُثُلا عُلْيا ، نظر الشعراء إليها نظرة الاحترام وهي الجود والكرم والصداقة والشجاعة والبطولة ، كما نظروا إلى ما يخلّ بها ، نظرة الاحتقار والازدراء . ولعلّ أكثر هذه الجوانب المعنوية معالجة في هجاء هذا العصر ، هو البخل الذي وقف الشعراء عنده وأنكروه ، ولاحقوا أصحابه في الصور الكاريكاتورية الرائعة . فنختاره من بين العاهات المعنوية ، لأننا تيقنّا من أنّ الصور التي قد رُسمت للبخل تحمل صفة كاريكاتورية أكثر من الصور الأخرى .

3 - 2 - 2 - 1 الهجاء الكاريكاتوري للبخل والبخلاء

إنّ الهجاء بالبخل يناقض الفخر بالجود الذي تعوّده العرب ، وهو قديم واكب المدح بالجود . إلا أنّ الشاعر الجاهلي والإسلامي ، لم يتجاوز في هجائه بالبخل معاني محددة ، تعتمد أساسا على نقض معاني الجود المألوفة ( انظر : حسين خريس 189 : 2 ) ، أما الشعراء العباسيون فكانوا يهجون البخلاء ويصورونهم تصويرا مبدعا في اللوحات الفنية الساخرة ، وإن اختلفت هذه الصور قوة وضعفا في فن التصوير . كتلك الصورة التي تلفت الانتباه في ديوان بشار ، وتظهر فنانية الشاعر في الرسم الكاريكاتوري للجوانب المعنوية ، كما تصل إلى ذروة الرمز التي لم تكد تصل إليها سواها من الصور الكاريكاتورية الأخرى . فيقول واصفا البخل :
وَلِلْبَخِيلِ عَلَى أمْوَالِهِ عِلَلٌ * زُرْقُ العُيُونِ ، عَلَيْهَا أوْجُهٌ سُودُ
( 192 : 2 ) فرسم بشار في هذا البيت تلك الروعة الفائقة التي خطرت في باله ، وهي صورة العلل التي لها عيون زرقاء في وجوه سوداء . فمثل هذه الصور الكاريكاتورية وإن ظهرت قليلا خلال شعره بالنسبة إلى ما نجده عند شاعر كأبي نواس ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 16 ) ، ولكن تمثّل توحّد روافد الشعور في تجربته مع صور الخيال . وكذلك ما صوّره من الهمّ والألم الذي يغشى ابنَ قزعة البخيل إذا طرق بابه محتاجٌ ، فهو