فلا يفتأ يغلقهما ويفتحهما ، وهو كثير الإشارة لا يكاد يستقر في مجلسه ، يقوم ويقعد ، ويضطرب ويصيح . أما الانفجار الحادث في هذه الصورة فيأتي من صورة قرد يقهقه أو عجوز تلطم ، إذ المهجو لشدة عيه يشير بيديه حين لا يستطيع الإفصاح بلسانه ، فهذه الإشارات تذهب بوقاره وهيبته ، وتجعل الصورة متحركة تثير القارئ أو السامع على الضحك .
فبالنظر إلى هذه النماذج الشعرية الكاريكاتورية نلاحظ أنّ خلق الصورة الكاريكاتورية يتطلب عينا دقيقة النظر تستطيع أن تقتنص العيوب والعاهات من جهة ، وذهنا وقّادا يستطيع أن يضع المفارقات والمتناقضات في مكانها الصحيح من جهة ثانية . فهذا الاختيار المناسب لمكان المفارقات وذاك الالتقاط للعيوب المدهشة من أهم الأشياء في بناء اللوحة الكاريكاتورية .
أمّا إذا تأملنا في هذه الصور الهجائية الشخصية فنلاحظ أنها رسم كاريكاتوري ساخر لعيوب المهجو يعتمد الألفاظ بدل الخط واللون والظل ، لبناء هيكله ويعبّر عن فكرة ساخرة من خلال التعابير الأدبية ، ومن الممكن اقترانه بالكاريكاتور الهزلي الذي يقوم على السخرية وإثارة الناس على الضحك فقط ، كما يكون الهدف منه إضافة إلى الحط من شأن المهجو ، التسلية والترفيه .
3 - 2 - 2 الهجاء الكاريكاتوري للأمور المعنوية
لا يكتفي المصوّر الكاريكاتوري بتصوير الشذوذ الخَلقي ، بل يتخذ من السلوك الشاذ والأمور المعنوية والعاهات النفسية مادة خصبة لهجائه : كالغباء والثقل والبخل والكذب والغدر والخيانة والجهل وإخلاف الوعد وما إلى ذلك من الأمور التي لم يألفها المجتمع ، مبرهنا على خسة أصحابها وحقارتهم ، ناقدا المفاسد الأخلاقية ، داعيا إلى الإصلاح الخُلقي غير مباشرة . وربما كان لهذا اللون من الهجاء قيمته الكبير عند مؤرخي الأدب والباحثين لما فيه من التصوير للقيم الأخلاقية في كل العصور .
أمّا الهجاء الكاريكاتوري للأمور المعنوية في العصر العباسي بما يتمتع به من الخيال البارع في رسم الصور الساخرة للجوانب المعنوية في ذات الإنسان ، فأحدث مشاركة قوية في