كلون النعل لشدة السواد فيهما ، ثمّ يلقى الضوء مباشرة على تشقق كعبه ومشيه بجسد أسود ، فكأنّه يلبس الزفت حين يتعرى ، وهذا مما يضحك الثكالي وربّات الحداد البواكي ، فهذه العاهات التي لا تستطيع أن تبعد عن ذهن المتنبي تجعله أنّ يتخذ من المهجو صورة للتندر والسخرية ، لكي يدير الأذهان إلى أنه عبد خصي مجلوب من الحبشة ، زري الشكل ، بشع المنظر ، يتلهى الرائي بالنظر إليه ، كما يتلهى الغلمان بالنظر إلى حيوان غريب في حديقة الحيوان .
أمّا الصور الكاريكاتورية التي يرسمها المتنبي في هجائه ، فلا تنحصر في كافور ، بل تتجاوز إلى ابن كيغلغ في شكله ووجهه . فمن هذه الصور ما يرسمه في قوله هذا :
يَقْلَى مُفَارَقَةَ الأكُفِّ قَذَالُهُ * حَتّى يَكادَ عَلَى يَدٍ يَتَعَمَّمُ « 1 »
وجُفُونُهُ ما تَسْتَقِرُّ كأنّهَا * مَطْروفَةٌ أو فُتَّ فِيهَا حِصْرِمُ
وَإذَا أشَارَ مُحَدِّثاً فَكَأنَّهُ * قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجُوزٌ تَلْطِمُ
( 11 : 1 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 2 )
فيرسم الشاعر للمهجو صورة ساخرة ، حيث يصوّر قفاه يكره مفارقة الأكفّ ، لأنّه قد ألف صحبتها في الصفح فيكاد يتعمّم على إحدى يديه لئلا يخلو قفاه من كفّ ، كما يرسم صورة أجفانه تتحرّك أبدا فلا تستقرّ ، فيعيره بها وقيل كان داء بها ، لأنّ عينيه كانتا تدمعان أبدا فلا يفتر من تحريك أجفانه ، ثمّ يستمدّ في رسمه الكاريكاتوري من الصورة النمطية للإشارة إلى اللكنة في لسانه ، فإذا حدّث شنّج وجهه وأشار بيده لأنّه لا يقدر على البيان ، فشبه حديثه بضحك القرد وجعل إشارته في حديثه كلطم العجوز إذا ولولت . فنرى أن الشاعر يرسم قبح ابن كيغلغ في الصورة المتحركة ، مع أن القبح في ابن كيغلغ الموصوف هنا ، قبح ساكن ، لا يعبر في سكونه إلا عن القبح . فالشاعر بهذه الحركة في التصوير يجعل القبح مضحكا ، وهذه الحركة تكون خاصية في الفن الكاريكاتوري الشعري إلى جانب خاصية الربط بصورة أخرى ، وتتجلى مع خط المفارقة والتناقض اللذين يعتبران من أهم ميزات الكاريكاتور ، في تحريك ابن كيغلغ جفونه مرارا في عصبية دائمة ، كأن عينيه مطروفتان ، أو كأن الحصرم قد عصر فيهما ،
هامش
( 1 ) - يقلى : بفتح اللام وكسرها ، يبغض . القذال : بين الأذنين من مؤخر الرأس