وَلِحْيَةٍ سَائِلةٍ مُنْصَبَّهْ * شَهْبَاءَ تَحْكِي ذَنَبَ المِذبَّهْ « 1 »
( 175 : 1 )
ولعلّ ما ذكرناه من نماذج هجاء اللحية يبيّن نقمة الشاعر على الذين يحترمون أنفسهم بكبر لحيتهم ، ويظهر سخريته من أولئك الذين يعنون بذي اللحية الطويلة المكتظة . فيحاول أن يتندّر على لحيتهم ويهزأ بهم ، كما يمكننا أن نستشفّ من خلال الأبيات السابقة ، المشكلة النفسية التي تنبعث في ضمير الشاعر الكوسج الخفيف اللحية ، والأزمة التي تحدث في نفسيته رؤية اللحية الطويلة .
أما المتنبي فتسلّم راية هذا اللون من الهجاء في عصره ، وقدّم صوراً كاريكاتورياً هجم بها على مهجويه بأسلوبها الفني الساخر الذي يتميّز بمبالغة هجائية لاذعة في تناول عاهاتهم المميزة وتضخيم هذه المميزات . ومن ذلك هجاؤه لكافور الإخشيدي عندما يرسمه في لوحته الساخرة بسواده ورحب بطنه ويقول :
وأَسْوَدَ أمّا القَلْبُ مِنْهُ فَضَيّقٌ * نَخيبٌ وَأمّا بَطْنُهُ فَرَحيبُ « 2 »
( 407 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 14 )
وكذلك بسواده وغلظ مشفريه :
وأسْودُ مِشْفَرهُ نِصْفُه * يُقَالُ له : أنتَ بَدْرُ الدُّجَى
( 405 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 14 )
فيبالغ الشاعر في لوحته مبالغة نراها في الصور الكاريكاتورية اليوم ، ويجعل مشفر الرجل الأسود يعادل نصف جسمه ، ومع ذلك يقول له الناس المتملقين : أنت بدر الدجى .
ويرسمه في موطن آخر بصورة يعجب بها كثير من الباحثين ، فيقول :
وتُعْجِبُني رِجْلاكَ فِي النَّعْلِ إنَّني * رأيْتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كنتَ حَافِيَا
وإنّكَ لا تَدْري ألَوْنكَ أسْوَدٌ * مِنَ الجَهْلِ أمْ قَد صَارَ أبيضَ صافِيَا
وَيُذكِرُني تَخييطُ كَعْبِكَ شَقَّهُ * وَمَشْيُكَ فِي ثَوبٍ مِنَ الزّفتِ عَاريَا
وَمِثْلُكَ يُؤتَى مِنْ بِلادٍ بَعيدَةٍ * ليُضْحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَوَاكِيَا
( 388 : 2 - 389 )
ففي الصورة التي يرسمها الشاعر لا فرق إذا كان كافور حافياً أو ناعلًا ، لأنّ لون قدميه
هامش
( 1 ) - سائلة منصبّه : أي مسترخية منبسطة . شهباء : بيضاء يخالطها سواد . المذبّة : الأداة التي تستعمل لطرد الذباب .
( 2 ) - نخيب : مخلوع جبان . رحيب : واسع .