تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وَلِحْيَةٍ ذَاتِ أصْوَافٍ وَأوْبَارٍ * مِنْهَا يُحَاكُ أثَاثُ البَيْتِ وَالدَّار مِنْهَا مَتَاعٌ إلَى حِين لِصَاحِبِهَا * وَلِلْعِيال وَللإخْوان وَالْجَار
( 293 : 2 ) يعرض الشاعر هنا صورةً لمهجوه تختلف عن الصورة التي شاهدناها قبلا ، ورسم للحية تصويرا آخر أكثر مبالغة منها . فإذا كانت تلك اللحية عديمة النفع فيكون في هذه نصيب كبير لصاحبها وللعيال وللإخوان والجار . ولكن هذا النفع لا يدل على الحسن ، بل قصد الشاعر من هذا التصوير الكاريكاتوري ، التركيز على المبالغة واستقصاء الأوصاف المتنوعة التي لا تثير إلا الزراية والقبح . وفي موضع آخر يرسم لصاحب اللحية صورة تيس ، لأنّه أشبه المخلوقات به . فلا يكتفي بهذا التشبيه العادي التقليدي ، بل يجري بينهما علاقة تبادلية في نقل قرن التيس إلى المهجو ، ونقل لحيته إلى التيس ، فيقول :
أنْتَ تَيْسٌ وَالتَيْسُ أشْ - * - بَهُ شَيءٍ بِخِلْقَتِكْ أنْتَ أوْلَى بِقَرْنِهِ * وَهْوَ أوْلَى بِلِحْيَتِكْ
( 451 : 1 ) وهكذا نلاحظ أن ابن الرومي يعرف كيف يستخدم الكائنات في خدمة رسومه الساخرة ، وكيف يجعل من المبالغة وسيلة تؤكد المعنى وتثبت المفهوم وتسخر من المهجو وتحقره . ولعلّ هذه الصورة مع ما فيها من الحركة ، شاهد على قدرته في استخدام ما يساعده على المبالغة في تصوير عاهات المهجو . عندما يقول :
وَلِحْيَةٍ يَحْمِلُهَا مَائِقٌ * مِثْلِ الشِّراعَيْنِ إذَا أُشْرِعَا « 1 » تَقُودُهُ الرِّيحُ بِهَا صَاغِراً * قَوْداً عَنِيفاً يُتْعِبُ الأخْدَعَا « 2 » فَإنْ غَدَا وَالرِّيحُ فِي وَجْهِه * لَمْ يَنْبَعِثْ فِي وَجْهِهِ إصْبَعَا لَوْ غَاصَ فِي الْبَحْرِ بِهَا غَوْصَةً * صَادَ بِهَا حِيتَانَهُ أجْمَعَا
( 192 : 4 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 15 ) فنرى أنّ الشاعر يستخدم شراعين واسعين في مواجهة الريح ، ليشبّه بهما لحية المهجو
هامش
( 1 ) - مائق : أحمق ( 2 ) - الأخدع : عرق في جانب العنق .