تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
أصحابها الذين جعلوا منها ستارا يخدعون فيه عامّة الناس ، ويضللونهم ، حتى أصبحت اللحية عندهم شاهدا على المنكر والزيف . ولذلك رأى بعضهم فيها مظهرا من مظاهر السخرية في الهجاء . ولعل ابن الرومي أكثرهم مهارة في رسم صورة اللحية ، حيث إنّ السخرية منها في ديوانه ، ظاهرة تلحّ على القارئ أن يقف عليها ، كما كان تركيزه على اللحية الطويلة المكتظة بيانا لموقفه في رفض الذين لا يجدون لأنفسهم مكانا في المجتمع إلا بتطويل لحاهم ( انظر : عبد المجيد الحر 137 ) ، فيرسمهم في مشاهد مشوهة ، ومن ذلك قوله :
إنْ تَطُلْ لِحْيَة عَلَيْكَ وَتعْرُضُ * فَالْمَخَالِي مَعْرُوفَة لِلْحَمِيرِ عَلَّقَ اللهُ فِي عِذَارَيْكَ مِخْلا * ةً وَلكِنَّهَا بِغَيْرِ شَعِيرِ لَوْ غَدَا حُكْمُهَا إليَّ لَطَارَتْ * فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ كُلّ مَطِيرِ
( 32 : 3 - 33 ) يستخدم الشاعر الرسم الكاريكاتوري في تصوير اللحية ، ويلجأ إلى المبالغة في امتدادها عرضا وطولا ، حتى يرسمها بصورة المخلاة التي علقت في عذار المهجو ، لكي يشبّه صاحب اللحية بالحمار لأنّه يحترم نفسه بكبر لحيته . ثمّ لا يكتفي بهذه الصورة الساخرة ، بل يفضل المخلاة على لحيته ، لأن مخلاة المهجو ليس فيها شعير ، فلا نفع فيها . وهذا ما تعوّده ابن الرومي في تصاويره الكاريكاتورية من التقاطه الجزئيات للوصول إلى ذروة السخرية ونقمته على المهجو . ويظهر هذه النقمة في تمنيه : لو كان أمرها إليه لأطارها في مهب الرياح كل مطار . أما المعنى الأعمق في رسمه هذا فهو تعريض بالذين يحترمون صاحب اللحية ويتهيبونه ، لأنهّم لم يفهموا الرجولة وقيمة الإنسان إلا بمظهر خارجي يشبه مخلاة الحمار . ولأجل هذا ينادي باجتثاث كل لحية ، لأنها برأيه الأفعي السامة التي لابدّ من قتلها . فيقول :
إنْ أنْتَ صَادَفْتَ شَيْخَ سُوءٍ * كَأنّما الذَّقنُ مِنْه حِبْثَى « 1 » فَاستجرِ الله يَا خَلِيلِي * وَضَعْ عَلَى حَلقِه الهِلَبْثا « 2 »
( 467 : 1 ) وفي ديوانه ، نشاهد لوحة أخرى تعرّض فيها الشاعر لطول اللحية وعرضها ، حيث يقول :
هامش
( 1 ) - الحبثى : اللحية المرقّشة . ( 2 ) - الهلبثا : سكين اليهود .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 134 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي