عَلَيْكَ خُرْطُومُ صدْقٍ لا فُجِعْتَ بِهِ * فَإنّهُ آلَة لِلْجُودِ وَالْباس
لَوْ شِئْتَ كَسْباً بِهِ صَادَفْتَ مُكْتَسِباً * أوِ انْتِصَاراً مَضَى كَالسَّيْفِ وَالنّاس
مَنْ ذَا يَقُومُ لِخُرْطُومٍ حُبيتَ بِه * إذا ضربتَ به قِرْناً عَلَى الرّاس
حُمِّلتَ أنْفاً يَرَاهُ النَّاسُ كُلّهُمُ * مِنْ رَأسِ مِيل عَيَاناً لا بِمِقْيَاس
( 302 : 3 - 303 )
نرى أنّ ابن الرومي في هذه الصورة يضخم أنف عمرو كأسلوبه في رسم الصور الكاريكاتورية في شعره . ويبالغ في رسمه بشكل خرطوم طويل يمكن رؤيته من مسافة بعيدة ، وبهذا التضخيم يجعل لهذا الأنف فوائد كثيرة ، ينتفع منها صاحبه ، فهو وسيلة من وسائل الكسب وجمع المال ، كما هو وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس ، لأنّه كالسيف والفأس في طوله وحدّته . وكل هذه الصفات التي يختص بها أنف عمرو تثير السخرية وتجعل القارئ أو السامع متعجبا أمام هذه اللوحة الكاريكاتورية .
فيتجلّى لنا من خلال هذه الأبيات أنّ ابن الرومي وغيره من الشعراء الكاريكاتوريين كانوا يتربصون بنقائص الناس وعوراتهم ، ويبالغون فيها ويضخمونها ، ويحاولون من خلال هذا التضخيم والتصوير أن يهزأوا بهم ويتندروا عليهم ، ليظهروا أن نقيضها جميل .
ولعلّ ما نرى من التضخيم في الصور الكاريكاتورية المتعلقة باللحية ، لخير دليل على متابعة هؤلاء الشعراء لمظاهر القبح والنقص ، وتركيزهم عليها بشكل كاريكاتوري مثير للسخرية والضحك ، حتى يتسنّى لهم التقليل من شأن أصحابها .
ولا شكّ أنّ العرب والمسلمين اهتموا باللحية واحترموا أربابها وعنوا بتمشيطها وترجيلها وخضبها ، واعتبروها مظهرا من مظاهر الوقار ، وشعارا من شعارات رجال الدين . فلمّا أحبّوها هذا الحبّ ، وقدّسوها هذا التقديس ، كرهوا من يستغلونها ويوارون جهلهم وسوء خُلقهم خلفها ، من أجل هذا نجد في شعر الأقدمين سيلا من الشعر يسخر من اللحية ، ويهجو أصحابها ، كما لا يستثنى شعر الشعراء الكاريكاتوريين في العصر العباسي من هذا الأمر ، بل شاع عند بعضهم هجاء اللحية فتناولوها من زوايا متعددة ، وتعددت أوصافهم لها ، ولعلّ أهمّ الأسباب عند معظمهم لاختيار اللحية في أهاجيهم ، لم يكن هي لذاتها ، بل لتوبيخ