لَمْ تَجْرِ فِيهَا حَيَوَانِيّةٌ * فَهِيَ كَمِثْلِ الحَجَرِ الصُلَّبِ
أو قَرعَةِ القَصَّارِ أوْ بَيْضَةٍ * لِلهَيْقِ فِي دَويّةٍ سَبسَبِ « 1 »
( 337 : 1 - 338 )
ويقول في موضع آخر :
يَا صَلْعَة لأبي حَفْص ممرَّدة * كأنّ سَاحَتَهَا مِرآة
فُولادِ تَرنّ تَحتَ الأكُفِّ الواقعات بِها * حَتَى تَرِنّ لهَا أكْنَافُ بَغْدَادِ
كَمْ مِنْ غِنَاءٍ سَمِعْنَا فِي جَوَانِبِهَا * مِنْ حَاذِقٍ بِلُحُونِ الصَّفْعِ أسْتَاذِ
لا شَيْءَ أحْسَنُ مِنْهَا حِينَ تَأخُذُهَا * من الأكُفِّ سَماءٌ ذات إرذاذِ
( 113 : 2 )
ودقة ابن الرومي وتفننه في رسم هذه الصورة من صلع أبي حفص ، يصل إلى حد ، لعلّه يجزع أولئك الذين أصابهم صلع شديد ، فيتلمسون مكان ذلك خوفا من أن يصيبهم رشاش هذا الرسم . فتشبه هذه الصلعة مرآة الفولاذ تلمع تحت وهج الشمس ، وعندما تهبط الأكف عليها ، ترن تحتها وتسمع رنينها ضواحي بغداد على سعتها ، ولما تعوّد الضرب عليها أصبحت سيمفونية مطربة ، كأنه يشرف عليها ملحن حاذق .
فنلاحظ ميل ابن الرومي في وقوع الأيدي على المهجو في أكثر صوره الكاريكاتورية ، كأنّه لا يقنع بما يقع عليه لسانه من الضربات ، بل يريد أن يشرك بها غيره ، فيجعل الشاعر من صلعة مهجوه متعة للأكف التي تعوّدت ضربها ، لأنّ ذهاب هذه الصلعة يؤدي إلى وجع تلك الأيدي ، فكأنّما الحكمة من خلق رأس أبي حفص هو امتاع الناس بضرب صلعته ، ثمّ لم يرض الشاعر بهذه الصورة الساخرة لصلعة مهجوه ، فرسم له في موضع آخر من ديوانه ، رأسا مربعا مصقولا مدهونا ، لكي يُكمل لوحته الكاريكاتورية . فيقول :
رَأسُ أَبِي حَفْصٍ عَظِيمُ الْمَنْفَعَهْ * كَمْ مِنْ يَدٍ أمْسَتْ بِهِ مُمَتَّعَهْ
وَأصْبَحَتْ لِقَفْدِهِ مُفَجّعَهْ * رَأسٌ جَلاه الدَّهرُ حَتَى قَرّعَه
فَلم يَدَعْ في جانِبَيْه قزّعَهْ « 2 » * كَأنّمَا قَرّعَهُ لِيصْفعَهْ
هامش
( 1 ) - قرعة القصّار : خشبة مبيّض الثياب . الهيق : ذكر النعام . الداوية : الفلاة والصحراء . السبسب : الصحراء ، المفازة .
( 2 ) - القزّعة ، والقزْعة : خصل من الشعر تترك على رأس الصبيّ ، كالذوائب متفرقة في نواحي الرأس ، وقزّع رأسه : حلقه وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه .